مقالات

هل نعتزل وقت ظهور الفتن؟

أشير إلى نقطةٍ أخرى هي أنّ بعضهم يُسيء فهم هذه العبارة “كن في الفتنة كابن اللّبون لا ظهر فيُركَب ولا ضرعٌ فيُحلَب”[1] ويتوهّمون أنّ معناها هو أنّ الفتنة إذا اشتعلت وتشابهت الأمور فعليك الاعتزال. ليس معنى هذه العبارة مما يفيد الاعتزال إطلاقًا. بل معناها أن لا يستطيع صاحب الفتنة استخدامك على الإطلاق. “لا ظهرٌ فيُركب ولا ضرعٌ فيُحلَب” لا يستطيع أن يركبك ولا يستطيع أن يحلبك؛ ينبغي الحذر.

في حرب صفين لدينا في جانب عمار بن ياسر الذي كان يخطب في الناس دومًا – انظروا الأعمال والآثار الخاصة بصفّين – وكان في هذا الطرف الجيش وفي ذلك الطرف جيشٌ مع مجموعات مختلفة، فقد كانت تلك الساحة ساحة فتنة حقًا، حيث تحاربت فئتان من المسلمين وكانت فتنة كبرى اشتبهت على البعض، وكان عمّار ينوِّر الأذهان دومًا. يذهب إلى هذا الجانب وإلى ذاك الجانب ويتحدّث ويخطب في جماعات مختلفة -. من جانبٍ آخر تشير الروايات إلى أنّ جماعة “نفر من أصحاب عبد الله بن مسعود” جاءوا إلى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقالوا: “يا أمير المؤمنين -وكانوا يعترفون به أميرًا للمؤمنين – إنّا قد شككنا في هذا القتال”[2]. فابعثنا إلى الحدود والثغور لكي لا نشترك في هذا القتال! هذا الاعتزال هو بحدّ ذاته “ضرع فيحلب” و”ظهر فيركب”! فالصمت، والاعتزال، وعدم التحدّث يتحوَّل أحيانًا إلى ممارسات تساعد الفتنة. على الجميع، في الفتنة، ممارسة التنوير والإرشاد، وعلى الجميع التحلّي بالبصيرة.

في أي وقت احتمل وقوع الفتن والمؤامرات: يجب العمل على إخمادها وإحباطها بالتبيين والتوعية. أينما وجد المبيّن والمبصّر والموضّح تُغلّ يدُ صاحب الفتنة وتقصر. وأينما أطلق الكلام جزافًا دونما هدف، والعمل دونما هدف، وأطلق النيران دون هدف؛ ووجه الاتهام دون هدف فهذا من دواعي سرور صاحب الفتنة لأن الساحة تمتلئ بالفوضى حينها.

عندما تقرأون ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ (الانفال:39)؛ فالأمر بالنسبة لكم واضح اذ تعرفون جيدًا معنى ذلك؛ أي: واجهوا الاستكبار العالمي وقاتلوه وجاهدوه حتى تذهب الفتنة. وعندما تقرأون في القرآن في موضعين ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾ (البقرة:217) أو ﴿أشد من القتل﴾ (البقرة:191) فهو واضح لكم. أليست الفتنة أسوأ من القتل؟ ما هي الفتنة؟ الفتنة هي الأعمال التي يقوم بها الاستكبار العالمي. الفتنة تعني أنه عندما يثور شعب فهو يريد أن يكون مستقلًا، وأن يعيش بعقيدته وفكره فتأتي أيادي الاستكبار من الأنظمة التي في ظاهرها إسلامية والتي ليست إسلامية وكذا الأنظمة القريبة والبعيدة وتعمل وتسعى بشكل دائم للحؤول دون ذلك، حسن هذه هي الفتنة في الأخير.

﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾؛ إذا لم تنهضوا إلى الفتنة لتقضوا عليها فهي ستأتي إليكم، فليعلم الشعب الإيراني أن مؤامرات الاستكبار العالمي لن تتوقف لا اليوم ولا غدا ولا بعد غدٍ. يجب أن نجهز أنفسنا لمواجهة وحرب طويلة الأمد معهم. قد لا تكون هذه الحرب حربًا عسكرية دائمًا؛ وقد لا تكون حربًا اقتصادية؛ حتى أنها قد لا تكون بمعنى الاصطفاف السياسي الواضح؛ لكن توجد أساليب أكثر خطورة للمواجهة.

الاستقامة والبصيرة، مقتطف من كلمات سماحة الإمام القائد السيد علي الخامنئي (دام ظله) حول البصيرة والاستقامة


[1]  نهج البلاغة، الكلمات القصار.
[2]  واقعة صفّين ص 15

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى