مقالات

كيف تتم محاولات إقصاء الإسلام من المجتمعات؟

عندما تكون الثقافة الوطنية هي الركن الأساس في الدفاع عن حيثية المجتمع، فإنها تكون هي المستهدفة بالدرجة الأولى. فلو أراد العدو أن يهجم على قلعة مستحمة، فإن أول ما يفكر به هو النيل من أركانها وقواعدها لكي تتداعي الجدران.. فهو أولا يضرب على كلّ ما يؤدي الى ضعف الجدران.. ويمكن أن تكون الخطوة الأولى للعدو هو أن يجعل أهل القلعة في غفلة يغطون بنوم عميق.

لقد ذكر سعدي في “كلستان” من كتابه أن مجموعة من السرّاق أرادت أن تغير على جماعة لتسرقها، فدسّت أولا بينهم رجلا دفعهم للغفلة والنوم، ثم جاء العدو الخارجي فقيد أيديهم ونهب أموالهم.

الغزو الثقافي يخضع لمثل هذه المنهجية، فهو يدفعهم أولا للغفلة وأن يغطوا بنوم عميق، ثم يأتي الدور بعد ذلك لسلبهم كلّ شيء([1]).

لا زال أعداء الإسلام يقظين وهم لم ييأسوا بعد من إنزال الضربة به. وما تهدف إليه كبرى السياسات العالمية هو إقصاء الإسلام وإبعاد الشعوب عن الشعارات الإسلامية التي تنطوي على جاذبية عالية بالنسبة إليها.

ما زالت الشياطين والشيطان الأكبر أميركا بصدد التفكير بإنزال ضربة بالإسلام والمسلمين.. وفي كل بقعة يتواجد فيها أعداء الإسلام ينبغي استشعار الخطر على هذا الدين([2]).

يتحرك الجهد الدعائي العالمي اليوم للإيجار بأن عصر الحركات الأصولية ومن بينها حركة الإحياء الإسلامي، وقد انتهى.. يريدون أن يلقوا ـ في وعي الناس ـ بأن عصر الحركة الإسلامية والأهداف المستمدة من الدين، قد ولى وأصبح جزءا من الماضي.. وحتى وقائع انهيار المعسكر الشيوعي حملوها على هذا المعنى، في حين أنّ القضية كانت تتحرك في مسار آخر له أسبابه الخاصة، ولا علاقة لانهيار الاتحاد السوفياتي بالأصولية.

والذي نراه هو عكس إيحاءاتهم تماما، فالاتجاه الإسلامي يتنامى في العالم يوما بعد آخر، وأي مكان يحتضن المسلمين تراه ترافق مع الحركة.. إلاّ أن أشكال هذه الحركة تختلف، فقد تظهر على المستوى الثقافي تارة.. وعلى مستوى ثالث بشكل عنيف ومتحرك.

يمكن تلمس الاتجاه الإسلامي في أندونيسيا.. ماليزيا.. شبه القارة الهندية (مسألة كشمير).. وفي تركيا رغم أنها عاشت دهرا طويلا من حياتها في مواجهة الدين.. وفي أفريقيا وشمالها.. وفي أوروبا حيث تتواجد الأقليات.

والسؤال، ما هي بواعث هذه الحركة الإسلامية الناشئة؟ يحتاج الجواب عليه إلى دراسة مفصلة. والذي نراه أن اليقظة الإسلامية ليست وليدة زماننا هذا، بل هي تتصل بجذور أعمق تعود بداياتها الى مائة وخمسين سنة مضت. بديهي أن الحركة في الماضي لم تكن كما هي عليه الآن من حيث التجدّد واليقظة.

فحركة الأحياء إذن هي مسار متجذّر عميق([3]).

كان نهج المتسلطين الدوليين ولا يزال، يرمي الى عزل مراكز العلم الديني، ودفعها نحو الجمود والركود والانفعال، بحيث تغدو تابعة له، خالية من الأهداف الكبيرة.

انّهم يعتقدون بفصل الدين عن السياسة، ويجهدون لإشاعة اليأس من قدرة الدين على مواكبة التحولات العالمية المدهشة([4]).

عمد الأعداء في إطار خطة معدّة سلفا الى عزل الدين في البلاد الإسلامية عن ساحة الحياة، وحققوا بذلك عمليا شعار فصل الدين عن السياسية، وقد كان من تبعات ذلك أن يحوّل التقدم العلمي الغربي هذه البلدان إلى توابع للدول الصناعية، في حين أضحى المصير السياسي والاقتصادي بيد الناهبين الغربيين لمدة طويلة وعاد ذلك بخسائر لا تجبر على هذه البلدان.

فلا تزال أغلبية البلدان الإسلامية اليوم تعيش التخلف والحيرة، رغم مرور عشرات السنين، حين استطاعت الشركات الغربية أن تستغل ثروات هذه البلاد وتملأ جيوبها من أموالها، ما تزال تلك البلاد الإسلامية بحاجة الى صناعة الغرب وعلمه وبضائعه، ولا تزال مهمّشة في عالم السياسة، تابعة إلى المدار الغربي. هذا في الواقع هو الخسران العظيم الذي حلّ ببلاد المسلمين منذ اليوم الأول إثر عدم الاهتمام بالأصل الأساسي للإسلام المتمثل بالتوحيد.

والمعادلة التي تحكم العالم الإسلامي اليوم، ان البلاد الإسلامية تنحدر بمرور الزمان في سلّم التخلف ويزداد عجزها وتبعيتها، وتتضاءل قدرتها على المبادرة والابتكار، كلما اطّرد التقدم وتكامل العلم أضحت الدول (الغربية) أكثر قدرة وأفضل تجهيزا، هي إذن علاقة عكسية بين التقدم في العالم الآخر وبين تخلف البلاد الإسلامية.

وسبيل العلاج أن يؤوب المسلمون الى الإسلام الذي يتجلى فيه التوحيد ونفي عبودية الله بأنصع صورة، وأن يبحثوا عن عزتهم وقدرتهم (الضائعة فيه).

وهذا السبيل هو الذي يخشاه أعداء المسلمين والمخططون ضدّ الإسلام، ويحاولوا أن يزرعوه بعقبات حادة([5]).

بديهي أنّ نغمة فصل الدين عن السياسة هي من صنع الأعداء الذين ذاقوا الضربات الموجعة من الإسلام الحي النابض. لذلك تحرك أولئك لإقصاء الدين عن ساحة الحياة، ليخلوا لهم الجو ويتسنى لهم أن يمسكوا بالشؤون الدنيوية للناس، ويتحكموا بمصير الإنسان.

بيد أن الذي يبعث على الأسف والأسى، أن يردّد هذه المقولة من هم محسوبون على الدين، ويتزّيون بزي علماء الدين إذ راحوا يكرّرون هذه المقولة ويبذلون جهدهم في ترويجها..

أجل إنه “الإسلام الأميركي” هو الذي يسعى لعزل الناس عن السياسة وفصلهم عن الوعي والبحث، ويبعدهم عن العمل السياسي. أما الإسلام المحمّدي فهو ينظر الى السياسة على أنها جزء لا ينفك من الدين، ويحث المسلمين جميعهم على الوعي السياسي ويدفعهم لممارسة العمل السياسي([6]).

الدعاية الاستكبارية ضدّ الإسلام هي جزء من حملة صليبية جديدة، توحي بأنّ الإسلام عاجز عن تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية للشعوب الإسلامية، وتلقي في روعهم أنّ الطريق الوحيد الباقي أمام المسلمين اقتفاء نظم (الحضارة) الغربية في الحياة، واعتماد معاييرها ونموذجها في الدولة.

وهذه وسيلة تنطوي على الكذب والخديعة، وروّج لها سنوات متمادية، وأريد منها جرّ البلاد الإسلامية الى التبعية للمعسكر الاستكباري الغربي واستغلال ثرواتها المادية ونهبها([7]).

مواجهة القوى الاستكبارية للإسلام لا تقتصر على مجابهتها لايران وشعبها وللنظام الجمهوري الإسلامي، بل هي تمتد الى دائرة أوسع، وتعتمد وسائل متعدّدة سياسية ودعائية وثقافية، وتنشط على هذه الصعد بشكل جاد. من أوجه هذه المواجهة هي سياسة التشدّد التي تمارسها الأنظمة التابعة لأميركا من خلال ما تقوم به من ضغط على العلماء والمثقفين المسلمين والأحرار في البلاد الإسلامية.. ومن أوجهها أيضا الضغوط التي تفرض على الأقليات والجاليات الإسلامية في البلاد غير الإسلامية.

هذان مثالان ـ من أمثلة كثيرة ـ لمواجهة الإسلام سياسيا.

أمّا المواجهة على الخط الثقافي، فمن أمثلتها اصدار الكتب والمقالات التي تعرّض بالإسلام، وانتاج الأفلام التي تحمل الإهانة لهذا الدين واشاعتها في الأوساط الإسلامية وغير الإسلامية.

تنفق الدول الاستكبارية كأميركا وبريطانيا اليوم أموالا طائلة لتغذية هذه السياسة المعادية وتقويتها. والذي يبعث على الأسف أن يضع بعض حملة الأقلام والفنانين اقلامهم وقدراتهم البيانية وفنونهم في خدمة أولئك. لتحقيق مكاسب مادية، متجاوزين ضميرهم الأدبي ووجدانهم الفني([8]).

العالم الإسلامي والغزو الثقافي، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


([1]) حديث قائد الثورة في لقاء مع العاملين في الحقل الاعلامي ورؤساء الدوائر التعلمية، 21\5\1371.
([2]) حديث قائد الثورة في لقاء مجموعة من الأسرى العائدين إلى الوطن، 29\5\1369.
([3]) حيث قائد الثورة في لقائه سفراء الجمهورية الإسلامية والعاملين في السلك الدبلوماسي. 19/5/1371.
([4]) كلمة قائد الثورة إلى جماعة مدرسي الحوزة العلمية بمدينة قم المقدسة بمناسبة تأسيس لجنة التخطيط الحوزوي. 24/8/1371.
([5]) بيان قائد الثورة في الذكرى الأولى لوفاة الإمام الخميني، 10/3/1369.
([6]) نداء قائد الثورة الى حجاج بيت الله الحرام، 14/4/1368.
([7]) نداء قائد الثورة الى حجاج بيت الله الحرام، 13/3/1371.
([8]) نداء قائد الثورة الى حجاج بيت الله الحرام، 14/4/1368.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى