مقالات

روح العبادة وباطنها

إنّ للعبادات أحكاماً وآداباً ينبغي مراعاتها لكي تتحقّق الثمرة من فرضها وجعلها هدفاً سامياً للخلقة الإنسانية. فأحكامها الشرعية هي الأحكام الفقهية والقواعد المذكورة في الكتب الفقهية من قبيل: كيفية الوضوء والتيمم، وبيان واجبات الصلاة وأركانها. ويجب على كلّ مكلّف تعلّم هذه الأحكام وأداء عباداته الشرعية وفقها، فهي المعيار في الحكم على صحّتها من عدمها.

وأمّا آداب العبادة فتقسم إلى نوعين، ظاهرية وباطنية:
وآداب العبادة الظاهرية ذكرتها الكتب الفقهية بعنوان المستحبّات، كما ذُكر بعضها في كتب الأخلاق. وهي من قبيل: الأذكار المستحبّة عند الوضوء، أو استحباب التختّم بالعقيق أو إحناء الرأس أثناء القيام والقراءة في الصلاة.

وأمّا الآداب الباطنية للعبادة وتُسمّى أيضاً الآداب المعنوية للعبادة، ويُطلق عليها أحياناً أسرار العبادة وهي أمور روحية باطنية مرتبطة بروح الإنسان. وإنّ مراعاة الآداب الظاهرية والآداب المعنوية للعبادة هي شرطٌ لقبول العبادة وكمالها وليست شرطاً لصحّتها.

وللتوضيح نقول: إنّ الدعاء مثلاً له أحكامٌ وآدابٌ ظاهرية وآداب باطنية أي معنوية، فمن أحكام الدعاء استحبابه ما لم يكن في طلب المحرّم، أو قصد الضرر للآخرين.. وأمّا آداب الدعاء الظاهرية فهي الهدوء والسكينة وعدم رفع الصوت إلى الحدّ المكروه، لأنّ الصوت العالي خلاف الأدب. وأمّا آداب الدعاء المعنوية فهي روح الدعاء، حيث يشعر الداعي بأنّه في محضر الله عزّ وجلّ، وأنّ المدعوّ سبحانه مطّلعٌ عليه وهو خير الشاهدين.

والجدير بالذكر أنّ العبادة التي يأتي بها إنسانٌ عارفاً بأسرارها سوف تختلف حتماً على مستوى النية الباطنية عن تلك التي يأتي بها إنسانٌ آخر وهو غير ملتفتٍ إلى وجود حقيقةٍ وأسرارٍ للعبادة، حتى وإن كانت عبادتاهما لا تختلفان في أيّ شيء على مستوى الظاهر.

ومرجع هذا الاختلاف إنّما ينبع من أنّ تصنيف العبادات بين أحكام ظاهرية وآداب باطنية فكما أنّ معرفة المكلّف بالأحكام الظاهرية للعبادة هو الأساس في أدائه لها بصورة صحيحة، كذلك فإنّ معرفته بأحكامها الباطنية هو الأساس في توجيه نيّته نحو أدائها بحقيقتها الباطنية المطلوبة.

يقول الإمام الخميني قدس سره: “للصلاة ولجميع العبادات باطناً ولُبّاً وحقيقةً غير هذه الصورة والظاهر والمجاز، وهذا ثابت عن طريق العقل، وهناك شواهد نقليَّة كثيرة عليه لا يَسع المجال في هذه الأوراق ذكرَها جميعاً، وهنا نتبرّك بذكر بعضها: فمنها الحديث المشهور: “الصلاةُ معراج المؤمن”[1]. وتتفتّح – من التفكّر والتدبُّر في هذا الحديث الشريف – أبواب لأهله نحن محجوبون محرومون مِن أكثرها. وجميع البيانات المتقدمة تُستفاد مِن هذا الحديث الشريف. ومنها الحديث الشريف المروي في الكافي بإسناده عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: “العبادة ثلاث: قومٌ عبدوا الله‏ عزَّ وجلَّ ـ خوفاً، فتلك عبادةُ العبيد، وقومٌ عبدوا الله‏ تبارك وتعالى ـ طلباً للثواب، فتلك عبادة الأجراء، وقومٌ عبدوا الله‏ حبّاً له، فتلك عبادةُ الأحرار، وهي أفضل العبادة”[2]…

ووردت في نهج البلاغة (نصوص) قريبة من هذه المضامين. ومنها قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “أُعبد الله‏ كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك”[3]، وهنا إشارة إلى مقامين لحضور القلب في المعبود كما سيأتي لاحقاً. وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً أنَّه قال “إنَّ الرَّجلين من أُمَّتي يقومان في الصلاة، وركوعهما وسجودهما واحد، وإنَّ ما بين صلاتيهما مثل ما بين السماء والأرض”[4].

وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنَّه قال: “طوبى لِمن أخلص للّه‏ العبادة والدعاء، فلم يشغل قلبَه بما ترى عيناه، ولم ينسَ ذكرَ الله‏ بما تسمعُ أُذناه، ولم يُحزن صدره بما أُعطي  غيره”[5]…

إذن، فمن خلال التَّدبُّر في هذه الأحاديث الشريفة والتأمُّل في حال أئمة الهدى عليهم السلام الذين كان يتغيَّر لون أحدهم حينما يحلُّ وقتُ أداء هذه الأمانة الإلهيَّة الكبرى، وترتعد فرائصهم ويُغشى عليهم ويُذهلون عن كلِّ ما سوى الله‏ بصورة كاملة، حتّى عن مُلك أبدانهم ومملكة وجودهم، من هنا يتضح أنَّ هذه الصورة الدنيوية والهيئة الظاهرية الملكية ليست هي حقيقة هذه العبادة الإلهية”[6].

بغير حساب، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


[1] راجع: العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 79، ص 303.
[2] الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 84.
[3] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج74، ص74.
[4] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج81، ص249.
[5] الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 16.
[6] الإمام الخميني قدس سره، سر الصلاة، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، ص49.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى