مقالات

التقوى والغفلة

بالحديث عن الغفلة، فإن الغافل لا يفكر بالاستغفار بتاتًا، بل ولا يخطر بباله أنه يرتكب ذنبًا، وهو غارق بالذنوب، وسكران غارق في سبات عميق، وهو أشبه ما يكون بمن يؤدي بعض الحركات وهو نائم.

ولهذا أطلق أهل السلوك الأخلاقي – في بيانهم لمنازل السالكين في طريق تهذيب النفس وتحصيل الأخلاق- على المنزل الذي يروم المرء فيه الخروج من الغفلة، اسم منزل اليقظة.

أما في المصطلح القرآني فيطلق على الحالة المقابلة للغفلة، اسم التقوى. التقوى تعني: التنبّه واليقظة الدائمة والمواظبة. قد تصدر عن الغافل عشرات الذنوب وهو لا يشعر أساسًا أنه ارتكب ذنبًا، أما الإنسان المتقي فهو في الجهة المقابلة له تمامًا؛ فلا يكاد يرتكب ذنبًا حتّى ينتبه إلى أنه ارتكب ذنبًا، فيبادر إلى إصلاحه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾[1]. فبمجرد عبور الشيطان من مقربة منه وهبوب ريح شيطانية، يشعر بأن شيئًا من الشيطان أصابه، وأنه وقع في خطأ وغفلة، فـ(تذكروا)، و(فإذا هم مبصرون) فإنسان كهذا يكون مبصراً متيقظاً[2].

التساهل في الفكر والعمل:
التساهل والتسيّب، سواء في الفكر – أي أن ينجذب الإنسان نحو كل ما يطرح في الساحة من فكر وينبهر به من دون رويّة وتقويم ونقد وفَهْم دقيق مع ما في الأمر من حساسية [وهذا خلاف التقوى] – أو في العمل، والتقوى هي نقيض التساهل؛ والتقوى تعني: الدقّة والمراقبة والمواظبة؛ خشية أن يبدر من الإنسان عمل مخالف للموازين، سواء كان ذلك في القول أو الفعل، وسواء كان ذلك العمل من الجوارح أو الجوانح؛ فهذه هي التقوى.

وأما التساهل والتسيّب فهو نقيض ذلك. فيا لها من مصيبة أن يكون ذلك التساهل في مجال الفكر، أو العلم، أو في أي مجال آخر! فحيثما كان التساهل والتسيّب ـ والذي يستتبعه التساهل في الفعل وفي الفهم ـ فإن العواقب تكون وخيمة[3].

الحركة من دون بصيرة:
الغفلة وعدم الاكتراث، والسير بلا بصيرة تقابل التقوى. إن الله لا يرضى بغفلة المؤمن في شؤون حياته. فعلى المؤمن أن يكون مبصراً وبصيراً في كافة شؤون الحياة. وفائدة هذا الأمر بالنسبة للإنسان المؤمن أن يكون حين العمل الذي يقوم به ملتفتاً وفطناً إلى أنه لا يخالف به مشيئة الله، وسبيل الدّين ومسلكه[4].

طلب الدنيا:
“وأن لا تبغيا الدنيا وإنْ بغتكما“[5]. أي لا تسعوا وراء الدنيا وإن سعت هي وراءكم. وهي من لوازم التقوى، وكلّ الأعمال الصالحة هي من لوازم التقوى، ومن جملة هذه الأعمال هو الأمر الذي ذكره، فلم يقل اتركوا الدنيا، بل أوصى بعدم اتّباع الدنيا، وبالتعبير الشائع عدم الركض وراءها.

فماذا تعني هذه الدنيا التي لا ينبغي السعي وراءها؟ هل هي إعمار الأرض وإحياء الثروات الطبيعية؟ وهل هذه هي الدنيا التي ذمّها أمير المؤمنين وحذّر منها؟ لا، ليس الأمر كذلك، فالدّنيا التي لا ينبغي اللهث وراءها تعني طلب اللّذات والسعي وراء الشهوات، أمّا إذا كان الهدف من إعمار الأرض خير البشرية وصلاحها، فهو الآخرة بعينها، وهو أمر يجب السعي إليه.

أمّا الدنيا المذمومة التي نُهي الإنسان عن السعي وراءها فهي الأعمال التي تصد عن السير في طريق الخير والصلاح، وتسلب منه إرادته وتستهلك قواه وسعيه وهمّته، وهي تعني الأنانية وحبّ الذات والسعي وراء جمع الأموال والسعي وراء اللّذات[6].

التقوى في كلمات الإمام الخامنئي، مؤسسة الثورة الاسلامية للثقافة والأبحاث (مكتب حفظ ونشر آثار الإمام الخامنئي)


[1]  سورة الأعراف، الآية 201.
[2] خطبة صلاة الجمعة في طهران بتاريخ 17/1/1997
[3]  في جمع من الأساتذة وطلاب الحوزة العلمية في قم في المدرسة الفيضية في 5/10/2000
[4] خطبة صلاة الجمعة في طهران في 30/3/1990
[5] بحار الأنوار، ج42، ص 256
[6] خطبتا صلاة الجمعة في طهران في 21 رمضان 1414 هجرية؛ الموافق لـ4/3/1994

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى