مقالات

كيف تكون متوكلاً على الله عز وجل؟

اعلم أنّ التوكل هو أن يفوّض الانسان أموره إلى الله تعالى ويرجو منه الخيرات ودفع الشرور، وليعلم انّ كل ما يكون فإنما هو بتقدير الله تعالى، ولو شاء الله نفع شخص لن يتمكن أحد دفع هذا النفع عنه، ولو منع عنك خيراً فلو اتفق جميع العالم على ايصاله لك لما تمكّنوا، ومعنى التفويض يقرب عن هذا أيضاً.

فلابد حينئذٍ أن ييأس الانسان عما في أيدي المخلوقين، ولا يختار رضاهم على رضى الله تعالى، ولا يعتمد في جميع الأمور على نفسه وعلى غيره، وليكن جلّ اعتماده على الله سبحانه، وهذا من أعلى مراتب التوحيد حيث يجعل القدرة والتصرف والتدبير خاصّاً بالله، وانّ قدرة المخلوقين مقهورة بقدرته.

روي بسند معتبر عن أبي عبدالله (عليه السلام) انّه قال: انّ الشرك أخفى من دبيب النمل، وقال: منه تحويل الخاتم ليذكر الحاجة وشبه هذا([1]).

وكون هذا شركاً لاعتماد الانسان على غير الله تعالى، وعدم التوكل عليه بل اعتمد على تحويل الخاتم، فالحاصل انّ كلّ التفات عن الله والتوسل والاعتماد على غيره مرتبة من مراتب الشرك.

روي بسند معتبر انّه سأل النبي (صلى الله عليه وآله) عن جبرئيل ما التوكل على الله عزّوجلّ؟ فقال: العلم بأنّ المخلوق لا يضرّ ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، واستعمال اليأس من الخلق، فإذا كان العبد كذلك لم يعمل لأحد سوى الله، ولم يرج ولم يخف سوى الله، ولم يطمع في أحد سوى الله، فهذا هو التوكل([2]).

وسئل الرضا (عليه السلام) عن معنى التوكل، فقال: أن لا تخاف مع الله أحداً…([3]).

ومعنى الرضا بالقضاء أنّه بعد التوكل على الله، والعلم بأنّ أعماله مطابقة لما أمر الله فكلما حدث من الابتلاءات والمحن لابد أن يكون على يقين من وجود الخير والصلاح فيه لحدوثه بتقدير الله، وهو تعالى قادر على دفعه ولم يكن ظالماً حتى يريد ظلم الانسان، ولم يكن بخيلاً بأن لا يريد وصول الخير إلى الإنسان.

ولم يكن جاهلاً حتى يخفى عليه مصلحة عبده، وليس بعاجز عن إيصال ما هو خير له إليه، فكمال الايمان بهذه الصفات الكمالية الالهية يقتضي الرضا من صميم القلب بما يصل إليه من قبل الله تعالى، ولا يجزع ولا يشتكي، وليعلم انّه عيّن الخير والصلاح.
روي بسند معتبر انّه سئل أبو الحسن الأول (عليه السلام) عن قول الله عزّوجلّ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسبُهُ﴾([4]) فقال: التوكل على درجات، منها أن تتوكل على الله في أمورك كلّها، فما فعل بك كنت عنه راضياً تعلم انّه لا يألوك خيراً وفضلاً، وتعلم أنّ الحكم في ذلك له، فتوكّل على الله بتفويض ذلك إليه، وثق به فيها وفي غيرها([5]).

ومعنى التسليم أن لا يكون ما جاء من الله ورسوله والأئمة: من الأحكام والأوامر والنواهي وغيرها ثقيلاً عليه، وليعتقد بحسنها ولينقاد لها في العمل ويذلّ من دون عناد وعدم رضاية، كما قال الله تعالى لنبيّه (صلى الله عليه وآله): ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجاً مِّمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيم﴾([6]).

واعلم انّ كون هذه الصفات من أصول وأركان الايمان لارتباط أكثر الأعمال والأخلاق بها، لأنّ التوكل لو كمل في شخص أيس من الخلق، ولذا يترك أكثر المعاصي الحاصلة من الوثوق بالمخلوقين والرجاء منهم، ولا يختار حينئذٍ المعاصي لرضاهم ولا يداهن في الدين، وتكون له جرأة لاجراء أحكام الله تعالى، ولا يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفاً من ذهاب نفع عنه من قبل المخلوق، ولا يغيّر أحكام الله لرضاهم.

واذا علم انّ الرزق من الله فلا يرتكب الحرام لتحصيله، ولا يذلّ نفسه عند الخلق بالسؤال، وهكذا رويداً رويداً يعظم الله في نفسه ويصغر المخلوق في عينه، وبما أنّه يرى أن المعطي هو الله تعالى فلذا يزداد حبّاً له بكلّ نعمة أنعمها عليه، وفوائد هذه الخصلة لا نهاية لها.

وإذا رضي بقضاء الله وعلم انّ هذه الأمور من قبله وهي خير محض له، فيطمئن ولا يجزع من البلاء بل يصبر ويكون من الشاكرين، ولا تشغله الآلام، ولا تحجزه عن العبادة، ولا يعادي الناس لعدم إعطائهم شيئاً له، ولا يفتتن بمحبة الناس، ولا ينسى الله اذا أعطي، ولا يحسد الناس على ما آتاهم الله، ولا ينازع ولا يجادل في أمور الدنيا، ويحبّ الجميع في الله، ويعبد الله خالصاً، ولا يتبرّم من تغيّر أحوال الزمان.

ومن الواضح انّ معنى التوكل ليس هو بالجلوس في الدار واغلاق الباب وترك العمل والكسب بحجة توكلك على الله، بل التوكل أن تسعى فيما أمره الله، وتطيع ما قاله، وتعمل بقدر ما أمرك به، ولا تطلب الحرام، ولا تترك الواجبات والمستحبات، ولا تجمع أكثر من الضرورة حرصاً، مع الالتفات إلى أن ذلك من الله فلا تعتمد على سعيك وكسبك.

عين الحياة – بتصرّف، العلامة محمد باقر المجلسي (رضوان الله عليه)


([1]) معاني الأخبار: 379 ح 1 باب نوادر المعاني ـ عنه البحار 71: 142 ح 36 باب 63.
([2]) معاني الأخبار: 261 ضمن حديث 1 ـ عنه البحار 71: 138 ح 23 باب 63.
([3]) البحار 71: 134 ح 11 باب 63 ـ عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام).
([4]) الطلاق: 3.
([5]) الكافي 2: 65 ح 5 باب التفويض إلى الله ـ عنه البحار 71: 129 ح 5 باب 63.
([6]) النساء: 65

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى