مقالات

الدعاء في دائرة السنن والقوانين

إن فهم سنن الله تعالى أمر لابدّ منه في الدعاء، وليست مهمّة الدعاء اختراق هذه السنن وتجاوزها، وإنما مهمّة الدعاء توجيه العبد الى السؤال من الله في دائرة سننه وقوانينه. إن سنن الله تجسد دائماً إرادته تعالى التكوينية، ومهمة الدعاء إستعطاف إرادة الله وليس تجاوزها واختراقها، والله تعالى يقول: ﴿ولن تجد لسنة الله تحويلا﴾.

والنظام الكوني هو تجسيد وتبلور لإرادة الله الذي لا يصلح أمر الكون من دونه؛ ولا يصح أن يطلب العبد في الدعاء تغييره، فإن الدعاء من أبواب رحمة الله تعالى لعباده؛ وإرادة الله تعالى مطابقة دائماً لرحمته ولا يصح من العبد أن يسأل الله تعالى تغييرها واستبدالها. لا تختلف سنة عن سنة، فكل سنة تمثل إرادة الله، وكل إرادة لله تمثل رحمة الله وحكمته اللتين لا رحمة ولا حكمة فوقهما، سواء في ذلك السنن الكونية والتاريخية والاجتماعية.

فمن سنن الله تعالى مثلاً حاجة الناس بعضهم الى بعض في شؤون دينهم ودنياهم، وليس من الصحيح أن يطلب الانسان من الله تعالى أن يغنيه عن الآخرين ولا يحوجه الى خلقه، فهو دعاء على خلاف سنة الله تعالى وإرادته تماماً. وقد ورد في الحديث عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: «قلت: اللهم لا تحوجني الى أحد من خلقك، فقال رسول الله صلي الله عليه واله وسلم: يا علي، لا تقولن هكذا، فليس من أحد إلا وهو محتاج الى الناس.

قال: فقلت: كيف (اقول) يا رسول الله؟

قال: قال: اللهم لا تحوجني الى شرار خلقك»([1]).

وروي عن شعيب عن أبي عبدالله عليه السلام في حديث أنه قال له: «ادع الله أن يغنيني عن خلقه. قال: إن الله قسّم رزق من شاء على يدي من شاء، ولكن اسأل الله أن يغنيك عن الحاجة التي تضطرك الى لئام خلقه»([2]).

وبهذا الفهم للدعاء تجد أن النصوص الإسلامية تحدد للدعاء دائرة واقعية وتخرج الدعاء عن الدوائر غير الواقعية والخيالية.

وتؤكد هذه النصوص حقيقة هامة في طريقة وأسلوب معيشة الانسان المسلم. فكما يجب أن يكون سعيه وحركته واقعيين، وبعيدين عن الخيال، كذلك يجب أن يكون دعاؤه في نفس الدائرة الواقعية.

روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه سأله شيخ من الشام: «أي دعوة اضل؟ فقال: الداعي بما لا يكون»([3]).

وما لا يكون هو ما يقع خارج دائرة سنن الله المتعارفة في حياة الانسان، ولا يكون التفكير فيه والسعي إليه واقعياً.

وفي عدة الداعي عن أمير المؤمنين عليه السلام: «من سأل فوق قدره استحق الحرمان»، واعتقد أن المقصود بالسؤال (فوق قدره) هو السؤال فيما لا يكون طلبه واقعياً.

الشيخ محمد مهدي الآصفي – بتصرّف، الدعاء عند أهل البيت (عليهم السلام)


([1]) بحار الانوار 93: 325.
([2]) أصول الكافي: 438، وسائل الشيعة 4: 1170، ح 8946.
([3]) بحار الانوار 93: 324.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى