مقالات

سوء الخلق والبعد من الله

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر (رحمه الله): «يا أباذر لا يزال العبد يزداد من الله بعداً ما ساء خلقه».

اعلم ان الخلق يطلق على صفة أصبحت ملكة للنفس وعادة لها، وانّ الأخلاق الحسنة عند الله تعالى أفضل من الأعمال الحسنة، وكذلك انّ الأخلاق السيّئة أقبح من الأعمال السيئة، وربّما كانت عبادة ذي الخلق السيء أكثر من عبادة ذي الأخلاق الحسنة لكن درجة الأخير عند الله تعالى أرفع وأعلى من الأوّل.

والاعتماد كل الاعتماد على الأخلاق دون الأعمال التي لا تنبعث من ملكات النفس الحسنة بل سرعان ما تتبدل.

واعلم ان الخلق قد يكون أمراً فطرياً وذلك ان الله تعالى فطر النفس وخلقها مجبولة على بعض الصفات، وقد يكون بالكسب أيضاً وذلك بكثرة المداومة على الأعمال الصالحة، كما في السخاء مثلاً فانّه يكون في البعض فطرياً بينما تجد البعض الآخر وقد أصبح الشح سيماءه.

فاذا أراد ازالته لابدّ من المداومة على الاحسان والانفاق لكي يميل الطبع البخيل نحو السخاء والكرم ويتجنب البخل فيصبح السخاء خلقه، وقد يميل البعض بحسب أصل الخلقة نحو السخاء لكنّه يبّخل نفسه بإغواء الشيطان حتى يصبح البخل خلقه، وكذلك الأمر في سائر الأخلاق الحسنة.

إنّ صاحب الخلق الحسن أكمل من غيره، لكن من يجتهد في تحصيل الخلق الحسن يحتمل أن يكون ثوابه أكثر لتحمّله المشقّة، وقد يطلق الخلق الحسن الوارد في الأحاديث على مطلق الصفات الحسنة التي أصبحت ملكة للنفس، وقد يطلق على خصوص الخُلق الذي يعاشر به الخَلق وكذلك الخلق السيىء.

واعلم انّ الخلق السيىء من أقبح الصفات الذميمة، وتجد الناس متأذّية من صاحبه بخلاف الخلق الحسن فانه من أحسن الصفات حيث يستر جميع المعايب بل هو من أعظم أركان الايمان كما روي بسند صحيح عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) انّه قال: انّ أكمل المؤمنين ايماناً أحسنهم خلقاً([1]).

وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انّه قال: ما يوضع في ميزان امرىء يوم القيامة أفضل من حسن الخلق([2]).

وروي عن أبي عبدالله (عليه السلام) انّه قال: ما يقدم المؤمن على الله عزّوجلّ بعمل بعد الفرائض أحبّ إلى الله تعالى من أن يسع الناس بخلقه([3]).

وقال (عليه السلام): انّ حسن الخلق يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم([4]).

وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انّه قال: أكثر ما تلج به أمتي الجنّة تقوى الله، وحسن الخلق([5]).

وروي عن أبي عبدالله (عليه السلام) انّه قال: انّ الخلق الحسن يميث([6]) الخطيئة كما تميث الشمس الجليد.

وقال (عليه السلام):… إنّ البر وحسن الخلق يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار(2).

وقال (عليه السلام): إنّ الخلق منيحة يمنحها الله عزّوجلّ خلقه، فمنه سجية ومنه نيّة، [قال الراوي:] فقلت: فأيّتها أفضل؟ فقال: صاحب السجيّة هو مجبول لا يستطيع غيره، وصاحب النية يصبر على الطاعة تصبّراً فهو أفضلهما.

وقال (عليه السلام): انّه الله تبارك وتعالى ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق كما يعطي المجاهد في سبيل الله يغدو عليه ويروح.

وروي بسند معتبر عن العلاء بن كامل انّه قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): إذا خالطت الناس فإن استطعت أن لا تخالط أحداً من الناس الاّ كانت يدك العليا عليه فافعل، فإنّ العبد يكون فيه بعض التقصير من العبادة ويكون له حسن الخلق، فيبلغه الله بحسن خلقه درجة الصائم القائم.

عين الحياة، العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي (رحمه الله)


([1]) الكافي 2: 99 ح 1 باب حسن الخلق ـ عنه البحار 71: 372 ح 1 باب 92.
([2]) الكافي 2: 99 ح 2 باب حسن الخلق ـ عنه البحار 71: 374 ح 2 باب 92.
([3]) الكافي 2: 100 ح 4 باب حسن الخلق ـ عنه البحار 71: 375 ح 4 باب 92.
([4]) الكافي 2: 103 ح 18 باب حسن الخلق ـ عنه البحار 71: 381 ح 16 باب 92.
([5]) الكافي 2: 100 ح 6 باب حسن الخلق ـ عنه البحار 71: 375 ح 6 باب 92.
([6]) الميث والموث الاذابة.

 

المصدر : شبكة المعارف الإسلامية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى