مقالات

الإمامة الإلهية في الآيات القرآنية

لا خلاف بين المسلمين في أن الإمامة ضرورة دينية، إنما وقع الخلاف بينهم في مسألتين:

الأولى: هل هي من مسائل الأصول الاعتقادية أم من الفروع، فبينما ذهب عامة أهل السنة إلى أنها من المسائل الفرعية، ولا ترتبط بأصول العقائد، يرى أكثر علماء الشيعة الإمامية أنها من المسائل الاعتقادية لأنها استمرار لمهمة النبوة.

الثانية: في طرق إثبات الإمامة فبينما يرى الشيعة الإمامية أن ثبوت الإمامة منحصر بالنص من النبي (صلى الله عليه وآله)، أو من الإمام السابق، ذهب أهل السنة إلى عدم انحصارها بالنص، بل تثبت أيضا ببيعة أهل الحل والعقد، واستدلوا على ذلك ببيعة أبي بكر[1].

ومن الظاهر أن منشأ الخلاف بين الفريقين هو في كون تعيين الإمام إلهي أم بشري، وقد ذهب أهل السنة إلى ذلك تصحيحا وتبريرا لخلافة الخلفاء الثلاثة، والقرآن الكريم صريح في أن الإمامة منصب إلهي، ليس للبشر أي دخل فيه، كما تدل عليه العديد من الآيات الشريفة، قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾[2].

ومفاد هذه الآية الشريفة، أن جعل الإمامة وعدمه بيد الله تعالى، بدليل التعبير عنها بأنها عهد الله تعالى، وأن من تلبس بالظلم، مهما كان نوعه ومستواه لن يصل إلى هذا المقام أصلا، وأن تصديه لها مخالفة لأمر الله تعالى وتحد لها، ولهذا حاز إبراهيم (عليه السلام) مقام النبوة في البداية، وأما مقام الإمامة فقد حصل عليه بعد إتمامه الكلمات التي ابتلاه الله تعالى بها.

وقد ورد من عدة طرق عن أئمة أهل البيت (عليهما السلام) أن من عبد صنما أو وثناً لا يكون إماما[3].

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا…، وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾[4].

فقد بينت هذه الآية المباركة أن منصب الحاكمية والملك، الخلافة، هو منصب إلهي، في رد صريح على بني إسرائيل، الذين ظنوا أن لهم يدا في تعيينه، جريا على العادة السارية بين الناس، من أن المناصب الكبيرة والمهمات الخطيرة في الحياة تعتمد على القوة والبطش، وكثرة المال والعشيرة أو نحو ذلك، فأجابهم النبي ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ﴾، مبينا لهم أن الملك لله، هو الذي يتصرف فيه كيف يشاء، وأن ميزان الاستحقاق هو الاصطفاء والعلم والقدرة.

وقد ذكر أمير المؤمنين مواصفات الإمام بصورة عامة، فقال(عليه السلام): «وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل، فيظلمهم بجهله، ولا الجافي، فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول، فيتخذ قوما دون قوم، ولا المرتشي في الحكم، فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطل للسنة، فيهلك الأمة»[5].

وفي مقام إثبات أن الإمامة منصب إلهي، يختص به تعالى دون سواه، ذكر لهم نبيهم أن مستحق الإمامة يحتاج إلى علامة وآية تثبت ولايته عليهم، وليس لكل مدع أو متسلط أو غاصب، فقال لهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[6].

ومن الواضح أن سبب مجيء الآية في هذا الوقت بالذات، لإلقاء الحجة عليهم، وإقناعهم بمتعلقها، ولولا ذلك لأمكنهم التنكر لقول النبي ومخالفته، بل لإلقاء التهم بحقه، كما هو حال بني إسرائيل عبر التاريخ، بل هو حال المتربصين وأصحاب الغايات والأهواء.

هذه الآية المباركة تدل على أن الفارق الأساسي بين القرآن الكريم والشريعة الموسوية أن شريعة موسى (عليه السلام) فرقت بين قوقعي النبوة والكهانة، أي التشريع والوعظ والإرشاد، وبين السلطة الإجرائية التنفيذية، فأوكلت الأولى ابن سبط لاوي، بينما منحت الثاني لسبط يهوذا بحسب نصوص التوراة.

وأما القرآن الكريم فقد جمع بينهما وأوكل مهمة التشريع والتنفيذ، أي أنه جعل موقع كل من النبوة والإمامة والملك بيد النبي نفسه، ثم للأئمة من بعده.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الجمع هو الأصل، ولذلك تم الجمع مع إبراهيم (عليه السلام) كما تقدم الإلماح إليه، ويمكن استفادته من سيرة موسى (عليه السلام) بحسب التوراة، وأما الفصل بينهما فأمر عارض اقتضته الظروف المعيشية والقبلية والنفسية لبني إسرائيل.

العقيدة في القرآن، سماحة الشيخ حاتم إسماعيل


[1] محاضرات في الإلهيات، مرجع سابق، ص514 عن شرح المواقف
[2] سورة البقرة، آية:124
[3] راجع: تفسير البرهان، السيد هاشم البحراني، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ج1 ص322
[4] سورة البقرة، آية:246-247
[5] نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، ص189، خ131
[6] سورة البقرة، آية: 248

 

المصدر : شبكة المعارف الإسلامية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى