مقالات

نفي الجسمانية عن الله تعالى(2)

السيد نجم الدين وجيه الدين

بسم الله الرحمن الرجيم

بعد أن ثبت بالعقل عدم جسمانية الله سبحانه وتعالى سوف يتسائل القارئ العزيز بما أن العقل نفى عن الله تعالى الجسمانية فما الذي سوف نفعله بالنسبة للآيات التي وردت في القرآن الكريم سيما أن العقل لا يخالف العقيدة الإسلامي؟

الجواب: هو أن الآيات التي وردت تحمل معنى غير الذي وضع له في اللغة فإنها وردت على نحو المجاز، كما لو قلنا ان فلان الملك يده طالت الى دول العدوان، فإن المعنى هنا ليست يده بل القوة والقدرة والسيطرة على تلك البلاد فكذلك نفهم تلك الآيات، لاسيما أن القرآن قد عبر أن الله ليس كمثله شيء.

كما إن فهم الآيات القرآنية وتفسيرها يحتاج منّا لقرائن تثبت صحة ما فسرناه وما أثبتناه، لهذا سوف نتناول الآيات القرآنية ونأتي بالقرائن اللغوية والروائية التي تؤكد صحة ما أوردناه سابقا بالدليل العقلي.

قال الله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (طه 5).

لو بحثنا عن المعنى اللغوي للآية لوجدنا أن هناك عدة معاني لكل كلمة، مثلا كلمة العرش له عدة معاني فقد قال ابن فارس أن العرش يدل على الشيء المرتفع وقال الخليل أن العرش هو سرير الملك إذن من خلال هذا التنوع في المعاني ندرك أن معنى العرش الذي ذُكر في الآية له معنى خاص يتناسب مع جلال الله سبحانه وتعالى ومعنى العرش في الآية _ الذي يتناسب مع جلاله سبحانه وتعالى _ هو الكون الذي خلقه.

أما بالنسبة لمعنى الاستواء فكذلك من حيث المعنى اللغوي له عدة معاني ولكن كما قلنا انه ينبغي لنا نضع المعنى المناسب لشأن الله عزوجل، فالاستواء في اللغة تعني التمكن والاستيلاء التام، وقال الراغب في مفرداته الاستواء على وجهين:

الأول/ استـوى زيد وعمـر في كذا، أي تسـاويا، قـال تعالى {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ} (السجدة 18)  أي ان المؤمن والكافر لا يتساويان.

الثاني/استوى أي اعتدل، كما نقول فلان استوى في الخلقة أي اعتدلت خلقته.

ثم أورد الراغب بعدها أن الاستواء إذا تعدى بحرف “على” فمعناه يكون التمكن والاستيلاء.

والنتيجة أن المعنى الذي يتناسب مع مقام وشأن الله عزوجل هو التمكن والاستيلاء على الكون؛ فهو خالقه، لذلك لو تمعنا في الآية {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} نجد أن استوى تعدت بحرف “على” فيكون معنى الآية الرحمن استوى على العرش، أي تمكن واستولى عليه، وهذا هو المعنى الذي يتناسب مع شأن الله عزوجل، ولذلك من قال إن معنى الاستواء يعني الجلوس في هذه الآية قد أخطأ؛ فالجلوس لا ينسب لله تعالى كما أثبتناه عقلا في البحث السابق.

وتقوية لما سبق فإن نذكر رواية عن أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب ×:( من وصفه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن عده فقد أبطل ازله) نهج البلاغة الخطبة 152.

ومعنى ذلك أن الإمام علي × أرشدنا إلى عدم وصف الله سبحانه وتعالى، فلو وصفناه فإننا جعلنا له حدود وقد قلنا إن الله لا يحده زمان ولا مكان، وإذا حديناه أبطلنا أزليته بمعنى أنه حادث أي هناك من أوجده والعياذ بالله.

كذلك نهت الروايات الى عدم التفكر في ذات الله تعالى لأن ذلك يؤدي الى الكفر، بل علينا أن نتفكر في مخلوقاته، لكي نصل الى التوحيد الحقيقي، فقد قال أمير المؤمنين علي × (من تفكر في ذات الله ألحد، ومن تفكر في مخلوقات الله وحد) ميزان الحكمة ج ٣ الصفحة ١٨٩٢.

أما باقي الصفات في القرآن كالسميع والبصير وغيرها، فبالتأكيد أن لها معانٍ تتناسب مع مقام وشأن الله سبحانه وتعالى، وبهذا نكون قد نفينا الصفات الجسمانية عن الله عزوجل من خلال العقل واللغة والروايا.

والحمد لله أولاً وأخراً،،،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى