مقالات

راية صفّين هي راية بدر

كانت معركة صفين من أقسى المعارك التي خاضها أمير المؤمنين وكانت في الوقت نفسه حربًا مفروضة. وقد فرضوا هذه المعركة من بدايتها وحتى نهايتها.

فبعد أن كتب إلى معاوية أنه ينبغي أن تنصرف؛ يجب على معاوية أن يذعن. إذ لا دليل عقلي أو منطقي أو نقلي أو عرفي يسمح ويجيز لحاكم بالعصيان والتمرد؛ ويقول “لا” – إذا طلب خليفة المسلمين وأمير المؤمنين منه أن يتنحى جانبًا- وأن يقوم بالتجييش ويذهب إلى المعركة. لكن معاوية فعل هذا الأمر. أعدَّ الإمام جيشًا قويًّا وسلك طريق الشام، وكذلك فعل معاوية، والتقيا في مكان اسمه صفين. وهناك صمّم أمير المؤمنين على أن لا يواجه. وعزم على نصحهم، وقال إذا ما سمعوا وأخذوا بنصحي فلا أسلّ عليهم سيفًا ولا أحاربهم. هذا هو العمل الذي قام به أمير المؤمنين عليه السلام، إلا أن الطرف المقابل قد تشيطن. وكان أمير المؤمنين يؤجل المعركة إلى الحد الذي جعل أصحابه يذهبون إليه ويقولون له يا أمير المؤمنين أتخاف جيش معاوية ولا تحاربه؟ أجابهم أأنا خائف؟ لقد مرّغت صدور الرجال بالتراب في سني شبابي، أنا الذي لم يخرجني أي تهديد طوال سنين وسنين من سوح القتال، أنا خائف؟ “فو الله ما دفعت الحرب يومًا إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي؛ وذلك أحب إلي من أن أقتلها على ضلالها”[1].

انظروا إلى هذا القلب الرؤوف للإمام. فإلى جانب ذلك الحزم فيما يتعلق بالمذنبين والضالين والخاطئين فهو [من جانب آخر] يقابلهم بقلب مليء بالعطف والمحبة. فيقول أرجّحْ وأفضّل أن يهتدي ذلك الضال على يدي ويعود عن ضلالته من أن يبقى على ضلالته وأقتله. لقد كان لأمير المؤمنين هدف في صفين هو أن يهدي الناس إن استطاع إلى ذلك سبيلا (1/4/1363).

راية أمير المؤمنين (عليه السلام)، راية النبي (صلى الله عليه وآله):
أصاب الشك جماعة من أصحاب الإمام علي عليه السلام في معركة صفين. الحرب هي هكذا، عندما تطول ويتأخر النصر قليلًا فإن أصحاب القلوب الضعيفة يتزلزلون. وإلا فإنه عند الزحف والتقدم والنجاح غالبًا ما تكون قلوب الناس ثابتة. وعندما تضطرب الأوضاع قليلًا ويضعف هؤلاء قليلًا فسوف يسألون.

وقف أحدهم على سبيل المثال وقال: ما هذا؟ فأنا قمت لصلاة الصبح رأيت أننا نصلي هنا جماعة، وكذلك هؤلاء كانوا يصلون جماعة في الطرف المقابل! فكيف نتقاتل؟ حصل حديث وهمس؛ قدموا إلى عمار بن ياسر وقالوا هكذا كلام.

وقف عمار بن ياسر وكان شيخًا في ذلك الوقت عمره قرابة الثمانين عامًا، ذهب وصاح بين تلك الجموع: أيها الناس أخبركم بشيء وصدقوني: هذه الراية] العَلَمْ[ التي تقفون تحتها هي راية أمير المؤمنين؛ وهذه الراية نفسها التي رأيتها في معركة بدر قد وقف النبي تحتها، راية لا إله إلا الله وعلم بني هاشم. ورأيت أن النبي وأصحابه تحت هذه الراية دعوا الناس إلى الجهاد وإلى الجنة.

وهذه الراية المقابلة لكم، التي هي راية بني أمية، هي الراية نفسها التي شاهدتها في يوم بدر وكان خلفها أبو سفيان وهؤلاء؛ وإن الذين يقفون خلفه اليوم كانوا خلفها آنذاك أيضًا؛ هذا العلم نفسه هو الذي رأيته في معركة بدر وأحد… والذين يقفون خلف هذه الراية اليوم هم الذين رأيتهم بالأمس خلفها يوم بدر وأحد، وكان تحت هذا العلم النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وكان أمير المؤمنين عليه السلام؛ وكان تحت ذلك العلم أبو سفيان وبنو أمية وكانوا أعداء النبي، وهذا معاوية هو نفسه، فلا يشتبه عليكم ظاهر الأمر.

إغماض العين، معبر الانخداع:
كان جيش معاوية في حرب صفّين قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة، وكانت الحيلة التي استعملوها للنجاة من الهزيمة الحتمية هي رفع المصاحف على الرماح والتقدّم إلى وسط الميدان؛ بما معناه أن القرآن هو الحاكم بيننا وبينكم فتعالوا نتحاكم إليه ونطبّق ما يقوله القرآن. حسنًا، هذا عمل جيد ومقبول عند العوام. وكانت الجماعة التي عُرفت فيما بعد باسم الخوارج وشهروا سيوفهم بوجه أمير المؤمنين، كان أفرادها في صفوف جيش أمير المؤمنين وشاهدوا المصاحف فوق الرماح، قالوا إنها فكرة جيدة، فهؤلاء ]الرافعين للمصاحف [لا يقولون أمرًا سيئًا، بل يقولون تعالوا إلى القرآن ليحكم بيننا. هنا كانت الخديعة، وهنا تزلّ قدم الإنسان لأنّه لم ينظر إلى ما تحت قدمه. وإن الناس لا يَعذِرون من انزلق وسقط أرضًا إن كان لم ينظر إلى ما تحت قدميه. هؤلاء لم ينظروا[2] ولم يروا قشرة الموز تحت أقدامهم. لو كانوا يريدون معرفة الحقيقة، فقد كانت أمام أعينهم. هذا الشخص الذي يدعوهم إلى القبول بحكم القرآن هو شخص خرج لقتال الامام المختار والمفترض الطاعة!]الذي تمت له البيعة[. فكيف يكون هذا الشخص معتقدًا بالقرآن؟

إنَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، عدا عن أنه- بالنسبة لنا- منصوص عليه ومنصوب من قبل الرسول، وحتى ان الذين لا يقبلون بذلك [النص والنصب]، يقبلون دون شك بأن جميع الناس قد بايعته بعد وفاة الخليفة الثالث، وبالتالي فإنهم يقبلون بخلافته، وقد صار إمامًا وحاكمًا مفترض الطاعة في المجتمع الإسلامي. اذ يجب على جميع المسلمين أن يتصدّوا لكل من يحاربه ويشهر السيف بوجهه.

حسنًا، إن كان هذا الذي رفع المصحف على الرماح، يعتقد حقًا بالقرآن، فالقرآن يقول له “لماذا تحارب عليًّا؟ “يجب عليه [بمنطق القرآن] أن يرفع يديه عاليًا ويقول نحن لن نقاتل، ويضع سيفه في غمده. هذا ما كان يجب أن يراه هؤلاء، وأن يفهموه. هل كان هذا الأمر معقّدًا؟ هل كان معضلًا لا يمكن فهمه؟ لقد قصّروا. غدا هذا الأمر انعدامًا للبصيرة.

لو أنّهم تدبّروا قليلًا وتأمّلوا، لفهموا هذه الحقيقة، لأنهم هم أنفسهم كانوا أصحاب أمير المؤمنين في المدينة، وكانوا قد شاهدوا أن رجال معاوية نفسه والعاملين لديه كانوا مؤثرين في قتل عثمان، بل ساعدوا على قتله، وفي الوقت نفسه رفعوا قميص عثمان طلبًا للثأر. هم من قام بهذا العمل، هم المقصّرون، لكنّهم كانوا يبحثون عن المقصّر. دققوا، إن عدم البصيرة هنا ناشئ عن عدم الدقّة، عدم النظر، عن إغماض العينين أمام حقيقة واضحة. (04/08/1389)

طالت حرب صفين أشهرًا؛ كانت معركة غير عادية. كانت الناس ترى أمامها أشخاصًا يصلّون ويعبدون ويصلّون الجماعة ويقرأون القرآن؛ حتى أنهم يرفعون القرآن على الرماح! يحتاج الشخص ليقف شاهرًا سيفه أمام هؤلاء إلى قلب قوي وجرأة كبيرة. في رواية منقولة عن الإمام الصادق عليه السلام أنه لو لم يقاتل أمير المؤمنين عليه السلام أهل القبلة لم يدر أهل القبلة السيئين الطغاة تكليفهم ابدا[3]. كان أمير المؤمنين عليه السلام هو الذي فتح هذا الطريق وبيّن للجميع ما ينبغي عليهم فعله.

ما لم تتضح وتبيّن روح الأعمال والعبادات – التي هي عبارة عن التوجه إلى الله وعبوديته -، وإذا لم يسعَ الإنسان إلى أن يقرب نفسه من الله في كل واحدة من هذه الواجبات، فإن عمله يكون عملًا سطحيًا وإن العمل والإيمان السطحي هو في معرض الخطر دائمًا. وهذا الشيء هو الذي شاهدناه في تاريخ الإسلام (06/02/1369).

الاستقامة والبصيرة، مقتطف من كلمات سماحة الإمام القائد السيد علي الخامنئي (دام ظله) حول البصيرة والاستقامة


[1] نهج البلاغة، خطبة55
[2]عبر القائد: لم يروا قشرة الخربوزة تحت أقدامهم.
[3] الرواية: كان في قتال علي عليه السلام على اهل القبلة بركة ولو لم يقاتلهم لم يدر احد بعده كيف يسير فيهم / تهذيب الاحكام

المصدر : شبكة المعارف الإسلامية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى