مقالات

الإمام الخميني قدس سره ودوره في إحياء شيعة لبنان

ولد الإمام الخميني قدس سره عام 1320 للهجرة (21/9/1902م) بمدينة “خُمين” جنوب غربي “طهران”. ولم تمضِ على ولادته ستة أشهر حتى استُشهد والده آية الله السيد مصطفى الموسوي على أيدي طغاة الحكومة  آنذاك، وهكذا تجرّع الإمام الخميني قدس سره منذ صباه مرارة اليتم، وتعرّف على مفهوم الشهادة.‏ وأمضى الإمام فترة طفولته وصباه تحت رعاية والدته المؤمنة السيدة “هاجر”، وفي سنّ الخامسة عشر، حُرِم الإمام من نعمة وجود هذين العزيزين.‏

– الأسرة والأبناء‏: اقترن الإمام الخميني قدس سره عام 1929م بكريمة المرحوم آية الله الحاج الميرزا محمد الثقفي الطهراني، فرزقا ثمانية أبناء، منهم: الشهيد آية الله السيد مصطفى الخميني، والسيدة “فهيمة – زهراء مصطفوي”، والمرحوم حجّة الإسلام والمسلمين السيد أحمد الخميني.

– بساطة العيش: إنّ أسلوب حياة الإمام الخميني قدس سره، وبساطة عيشه، ولكونها نابعة من معتقداته الدينية، بقيت ثابتةً لم تتغيّر في مختلف مراحل حياته، وطوال مسيرة جهاده السياسي الحافلة بالأحداث.‏ فلقد دُهِش الصحفيون الأجانب ومراسلو وكالات الأنباء العالمية، الذين سُمح لهم بعد رحيل الإمام بزيارة محلّ إقامة سماحته، دُهِشوا لمشاهدتهم البيت المتواضع، ووسائل المعيشة البسيطة لقائد الثورة الإسلامية الكبير. وإنّ ما رأَوه لا يمكن مقارنته بأيّ وجه مع نمط حياة رؤساء البلدان والزعماء السياسيين والدينيين في عالم اليوم. إنّ أسلوب حياته وبساطة معيشته يعيدان إلى الأذهان الصورة التي كانت عليها حياة الأنبياء والأولياء والصالحين.‏ فمع أنّ الإمام الخميني قدس سره كان قد شارف على التسعين من عمره الشريف، إلاّ أنّه لم يتوانَ لحظة عن السعي في طريق رقيّ المجتمع الإسلامي، فإضافة إلى اطّلاعه اليومي على أهمّ أخبار وتقارير الصحافة الرسمية، وقراءة عشرات الملفّات الخبرية الخاصّة، والاستماع إلى أخبار الراديو والتلفزيون الإيراني، كان سماحة الإمام يؤمن بشدّة بالبرمجة والنظام والانضباط في الحياة، فقد كانت لديه ساعات معيّنة من الليل والنهار يتفرّغ فيها للعبادة والتهجّد وتلاوة القرآن. كما أنّ رياضة المشي، وفي ذاته ذكر الله والتأمّل والتدبّر، كانت جزءاً من برنامجه اليومي. ‏كذلك كان سماحته حريصاً على اللقاء بطبقات الشعب، ولا سيما الطبقات المحرومة والمستضعفة، فحتى الأسابيع الأخيرة من عمره المبارك كان لديه كلّ أسبوع لقاء مع عوائل الشهداء.

– الدراسة والتدريس‏: درس سماحة الإمام في مدينة “خُمين” حتى سنّ التاسعة عشر مقدّمات العلوم الحوزوية، وفي عام 1339 للهجرة (1921م) التحق بالحوزة العلمية في مدينة “آراك”، وبعد أن مكث فيها عاماً، هاجر إلى مدينة “قم” لمواصلة الدراسة في حوزتها. وهناك اهتمّ بدراسة علم الرياضيات والهيئة والفلسفة. وحرص على المشاركة في دروس الأخلاق والعرفان النظري والعملي. ‏وفي عام 1347 هـ (1929م) بدأ الإمام الخميني الراحل قدس سره التدريس، فدرّس  بحوث الفلسفة الإسلامية، والعرفان النظري والعملي، وأصول الفقه.

– الآثار والمؤلّفات‏: ترك الإمام الخميني قدس سره عشرات الكتب والمصنّفات القيّمة في البحوث الأخلاقية والعرفانية والفقهية والأصولية والفلسفية والسياسية والاجتماعية، منها: شرح دعاء السحر، مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية، الحاشية على شرح فصوص الحكم،‏ شرح الأربعين حديثاً،‏ سرّ الصلاة (صلاة العارفين ومعراج السالكين)، آداب الصلاة، تحرير الوسيلة، كتاب البيع (خمسة أجزاء)، الحكومة الإسلامية أو ولاية الفقيه، الجهاد الأكبر.‏

مراحل الجهاد والثورة‏

– المواجهة الفكرية والعلمية: ابتدأ الإمام الخميني قدس سره جهاده في عنفوان شبابه، فمن خلال تأليفه ونشره لكتاب “كشف الأسرار” قام سماحته بفضح جرائم فترة العشرين عاماً من حكم رضا شاه – والد الشاه المخلوع -، وتولّى الرد على شبهات المنحرفين دفاعاً عن الإسلام وعلماء الدين.

– المواجهة السياسية: وانطلق الإمام الخميني قدس سره في نضاله العلني ضدّ الشاه عام 1962م، وذلك حينما وقف بقوّة ضدّ لائحة “مجالس الأقاليم والمدن”، والتي كان محورها محاربة الإسلام، فالمصادقة على هذه اللائحة من قِبل الحكومة آنذاك كانت تعني حذف الإسلام كشرط في المرشّحين والناخبين، وكذلك القبول باستبدال اليمين الدستورية بالكتاب السماوي بدلاً من القرآن المجيد.‏ وأدّت برقيّات التهديد التي بعث بها الإمام إلى رئيس الوزراء وقتئذٍ، وخطابات سماحته التي فضحت الحكومة، وبياناته القاصمة، وتأييد المراجع لمواقفه، إلى إلغاء اللائحة، وتراجع الشاه عن مواقفه.‏

ودفعت مواصلة النضال الشاه إلى مهاجمة المدرسة “الفيضية” بمدينة “قم” عام 1963م، وما هي إلاّ فترة وجيزة حتى انتشر خطاب سماحة الإمام وبياناته حول هذه الفاجعة في مختلف أنحاء إيران. وفي عصر العاشر من محرّم الحرام عام 1383 للهجرة (3/6/1993م) فضح الإمام الخميني قدس سره عبر خطاب حماسي غاضب، العلاقات السرّية القائمة بين الشاه و”إسرائيل” ومصالحهما المشتركة.‏

– الاعتقال: وفي الساعة الثالثة من بعد منتصف ليل اليوم التالي، حاصرت القوّات الحكومية الخاصّة بيت الإمام قدس سره، وتمّ اعتقاله وإرساله مكبّلاً إلى “طهران”. وبمجرّد أن سمعت الجماهير نبأ اعتقال الإمام قدس سره، نزلت إلى الشوارع منذ الساعات الأولى لفجر الخامس من حزيران 1963م، وراحت تعبّر عن استنكارها لعمل الحكومة في تظاهرات حاشدة، أعظمها تظاهرة “قم” المقدّسة، التي هاجمتها قوّات النظام بالأسلحة الثقيلة، وكان نتيجتها سقوط العديد من المتظاهرين مضرّجين بدمائهم.‏

ومع إعلان نظام الشاه الأحكام العرفية في “طهران”، اشتدّ قمع تظاهرات أبناء الشعب في تلك الأيام، حيث قتلت وجرحت قوّات الحكومة العسكرية الآلاف من أبناء الشعب الأبرياء.

وكانت مذبحة الخامس من حزيران 1963م. ‏ونتيجة لضغط الرأي العام واعتراضات العلماء وأبناء الشعب في داخل البلاد وخارجها، اضطر إلى إطلاق سراح الإمام بعد عشرة أشهر تقريباً من المحاصرة والاعتقال.‏

واصل الإمام جهاده عبر خطاباته الفاضحة للنظام. وفي هذه الأثناء، تأتي مصادقة الحكومة على لائحة “الحصانة القضائية” التي تنصَّ على منح المستشارين العسكريين والسياسيين الأميركيين الحصانة القضائية، لتثير غضب قائد الثورة وسخطه. فما أن يطّلع الإمام الخميني على هذه الخيانة حتى يبدأ تحرّكاته الواسعة، ويقوم بإرسال مبعوثيه إلى مختلف أنحاء إيران  ليلقي سماحة الإمام خطابه الشهير آنذاك، دون أن يعبأ بتهديد النظام ووعيده. فانتقد لائحة الحصانة القضائية، وحمل بشدّة على الرئيس الأميركي وقتئذٍ.‏

– نفي الإمام إلى تركيا: أمّا نظام الشاه، فقد رأى أنّ الحلّ الأمثل يكمن في نفي الإمام إلى خارج إيران، فحاصرت القوّات الخاصّة والمظلّيون بيت الإمام، وذلك في سَحَر يوم الثالث من تشرين الثاني عام 1964م.‏ وبعد اعتقال سماحته، اقتيد مباشرة إلى مطار “مهر آباد” بطهران، ومن هناك، وطبقاً للاتفاق المسبّق، تمّ نفيه إلى تركيا. وقامت قوّات الأمن الإيراني والتركي المكلّفة بمراقبة سماحة الإمام، بمنعه من ممارسة أيّ نشاط سياسي أو اجتماعي.‏ استغرقت إقامة الإمام بتركيا أحد عشر شهراً. وخلال هذه الفترة، عمل نظام الشاه بقسوة لم يسبق لها مثيل على تصفية بقايا المقاومة في إيران.‏

مثّلت الإقامة الجبرية في تركيا فرصة اغتنمها الإمام في تدوين كتابه المهم “تحرير الوسيله”، حيث تطرّق لأوّل مرّة آنذاك في كتابه هذا – الذي يمثّل الرسالة العملية لسماحته – إلى الأحكام المتعلّقة بالجهاد، والدفاع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمسائل المعاصرة.‏

–  نفي الإمام إلى العراق: في يوم 5/10/1965 م يُنقَل سماحة الإمام برفقة ابنه السيد مصطفى، من تركيا إلى منفاه الثاني بالعراق، ليقيم في مدينة “النجف الأشرف”. ومن منفاه في “النجف” كان يتابع بدّقة الأحداث السياسية التي تشهدها إيران والعالم الإسلامي، وكان حريصاً على إيجاد قنوات الاتّصال مع الثوريين في إيران، ومع عوائل شهداء انتفاضة الخامس من حزيران.

–  نفي الإمام إلى باريس: وفي اللقاء الذي جمع وزيرَي خارجية إيران والعراق في نيويورك، قرّر الطرفان إخراج الإمام الخميني من العراق. وفي 24/9/1978م حاصرت القوّات البعثية منزل الإمام في “النجف الأشرف”، وأبلغت الإمام بأنّ مواصلة إقامته في العراق منوطة بإيقاف نشاطاته السياسية، والتخلّي عن النضال.‏ وأصرّ الإمام على مواصلة نضاله، ولم يركن للضغوطات البعثية، ممّا دفعه إلى ترك “النجف الأشرف” في 24/10/1978م، بعد ثلاثة عشر عاماً من النفي، متوجّهاً إلى الكويت. إلاّ أنّ الحكومة الكويتية، وبطلب من نظام الشاه، منعت الإمام الخميني قدس سره من دخول أراضيها، فقرّر الهجرة إلى باريس.‏ وصل سماحته باريس في 6/10/1978م، واستقرّ في “نوفل لوشاتو” في ضواحي باريس. وفي غضون ذلك، قام مبعوث قصر “الإليزيه” بإبلاغ الإمام طلب الرئيس الفرنسي “جيسكار ديستان”، بضرورة اجتناب أيّ نوع من النشاط السياسي، فكان ردّ الإمام حازماً، وأنّه لن يتخلّى عن أهدافه، حتى ولو اضطره ذلك إلى التنقل من مطار إلى آخر، ومن بلد إلى آخر.‏

ذروة الأحداث وانتصار الثورة الإسلامية‏

مثّلت شهادة آية الله السيد مصطفى الخميني (رضوان الله عليه) – الابن الأكبر للإمام قدس سره – في 23/10/1977م، ومراسم العزاء التي أقيمت في إيران، نقطة الانطلاق لانتفاضة الحوزات العلمية ثانية، وانتفاض المجتمع الإيراني المؤمن. وممّا يثير الحيرة والدهشة أنّ الإمام الخميني قدس سره وصف هذا الحادث المؤلم بأنّه من الألطاف الإلهيّة الخفيّة.‏

وإنّ فترة الأربعة أشهر من إقامة الإمام في باريس، جعلت من “نوفل لوشاتو” أهمّ مصدر خبري عالمي، فقد أضحت حوارات الإمام ولقاءاته المختلفة مع حشود الزوّار الذين كانوا يتدفقون على “نوفل لوشاتو” من مختلف أنحاء العالم، سبباً في أن يتعرّف العالم أكثر فأكثر على أفكار الإمام وآرائه بشأن الحكومة الإسلامية والأهداف القادمة للثورة.‏

أمّا الشعب الإيراني، فقد صعّد من حدّة تظاهراته، مستلهماً توجيهات سماحة الإمام قدس سره ونتيجة لاتّساع رقعة الاضطرابات، شُلّت حركة المراكز والمؤسَّسات الحكومية، في هذه الأثناء، أعلن قائد الثورة الإسلامية للشعب عن تشكيل مجلس قيادة الثورة وتعيين أعضائه. وقرّر الشاه بدوره الخروج من البلاد في 16/1/1979م، تحت ذريعة المرض والحاجة إلى الراحة.‏‏

العودة المظفّرة وقيام الدولة: انصاع نظام الشاه لمطالب الشعب، وفتح مطار طهران، ليصل قائد الثورة الإسلامية إلى أرض الوطن في الأوّل من شباط عام 1979م، بعد أربعة عشر عاماً من النفي.‏ و قدّر عدد المستقبلين ما بين أربعة ملايين إلى ستة ملايين شخص.‏

وأعلن قائد الثورة عن تشكيل الحكومة المؤقّتة، رغم وجود حكومة الشاه، والتي ما زالت تمارس مهامها. وفي 5/2/1979م، وبتعيين رئيس الوزراء، كُلّفت الحكومة المؤقّتة بالتحضير لإجراء الاستفتاء العام وإقامة الانتخابات.‏ وفي الثامن من شباط 1979م، بايع منتسبو القوّة الجويّة الإمام الخميني قدس سره في محلّ إقامته بالمدرسة العلوية بطهران. وفي التاسع من شباط، وحيث توجّهت قوّات الحرس الشاهنشاهي الخاصّ إلى قمع انتفاضة منتسبي أهمّ قاعدة جوية بطهران، أخذ أبناء الشعب ينزلون إلى الشوارع لحماية القوّات الثورية. وفي العاشر من شباط عام 1979م، راحت مراكز الشرطة والمؤسّسات الحكومية تسقط الواحدة تلو الأخرى بأيدي أبناء الشعب. ‏وفي فجر الحادي عشر من شباط 1979م، أشرقت شمس انتصارالثورة الإسلامية.‏

ولم يمضِ سوى شهرين على انتصار الثورة، حتى أعلن الشعب الإيراني، في واحدة من أكثر الانتخابات حرّيةً في تاريخ إيران، عن تأييده بنسبة 98.2 بالمئة لإقامة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران. وتلا ذلك الانتخابات السياسية لتدوين الدستور والمصادقة عليه، وإقامة انتخابات الدورة الأولى لمجلس الشورى الإسلامي.‏

الرحيل‏

ومع أنّ الإمام الخميني قدس سره كان يعاني من مرض القلب، وكان قد مكث فترة في مستشفى القلب بطهران عام 1979م، إلاّ أنّ سبب رحيله من هذه الدنيا الفانية كان مرض جهازه الهضمي، إذ أُجريت له عملية جراحية بناءً على نصائح الأطبّاء. وبعد عشرة أيام من معالجته في المستشفى، ودّع الإمام قدس سره هذه الدنيا الفانية في الساعة العاشرة وعشرين دقيقة من مساء يوم السبت الثالث من حزيران عام 1989م، وشيّعت الملايين من النساء والرجال والشيوخ والشباب من مختلف أنحاء إيران، الجثمان الطاهر للقائد العظيم، بمشاعر من الحزن والألم التي لا توصف.

الإمام الخامنئي واستمرار المسيرة‏: وفي ظلّ غياب الإمام ورحيله إلى الرفيق الأعلى، ظهر نور مشرق بالأمل، أضاء على الأمّة كلّها. وكان بمثابة عزاء للأمّة في مصابها، وهو سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي دام ظله، قائد الأمّة ووليّ أمرها، هو امتداد حقيقي للإمام الراحل قدس سره، لشخصية الإمام، ولفكر الإمام، ولخطّه الأصيل.

علاقة الإمام الخميني قدس سره باللبنانيين

برز في مجموعة من كلمات وبيانات الإمام الخميني قدس سره اهتمامه الشديد بهذا البلد بشكل عام، وبالشيعة بشكل خاصّ، نشير إلى بعضها هنا: ففي إحدى رسائله إلى اللبنانيين يقول: إخوتنا، بعد السلام والتحيّات.

إنّنا مهتمّون بأوضاع لبنان والمصائب النازلة بإخواننا فيه، ونأسف كلّ الأسف أن تجري هذه الأعمال الصهيونية اللاإنسانية بمساعدة أمريكا على المسلمين وشعب لبنان خاصّة، ودعاؤنا أن يمدّكم الله – تبارك وتعالى – بِمددِه أنتم وجميع الإخوان في هذا الموقع، وهو نصير المستضعفين والمظلومين، ونحن معكم في مواجهة إسرائيل وأمريكا، وأملنا أن يغلِب جيش الحقّ الجيوش الطاغوتية والشيطانية.

ومصائبكم وآلامكم ليست جديدة على الإسلام والمسلمين، فقوى الطاغوت كانت معارضة للإسلام ومكافحة له، ودعائي بنصرتكم وتوفيق كلّ المسلمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته1روح الله الموسويّ الخميني‏

ويقول الإمام قدس سره: وتؤكّد التحوّلات التي تشهدها الدول الإسلامية في شرق آسيا، انتصار الإسلاميين واتّساع نفوذهم. ولم يتمكّن الاستعمال المضلّل لمفردة (الأصولية) من الفتّ في العزم المتنامي للمدّ الإسلامي.

ففي لبنان، التي كانت نشاطات الشيعة والجماعات الدينية والإسلامية إلى ما قبل انتصار الثورة الإسلامية، تقتصر فيها على المحافظة على عدد من المؤسّسات التعليمية والخيرية للتعبير عن وجودها، وكانت مجاهدتهم ومقاومتهم المظلومة تفقد بريقها في ظلّ الصخب والضجيج الذي تمارسه الأحزاب اليسارية واليمينية، باتت القوى الإسلامية اليوم لها الكلمة الفصل في السياسة الداخلية لهذا البلد وفي مواجهة الكيان الغاصب للقدس. وليس هذا فحسب، بل إنّ مواقف حزب الله‏ اللبناني اكتسبت أبعاداً دولية بوصفه أكثر القوى السياسية والدينية اقتداراً في هذا البلد، وقاد ثبات أبنائه وإمضاؤهم إلى هزيمة المشاريع الأمريكية والصهيونية في المنطقة وإحباطها2.

خطاب الإمام الخميني قدس سره الموجّه إلـى أهالي الضاحية الجنوبية

إنّ أوضاع لبنان المؤسفة والمصائب التي حلّت بإخوتنا في الإيمان، المظلومين في الضاحية الجنوبية، تبعث على التأثّر والتألّم. الآن، حيث تجتاح عشرات الآلاف من القوّات العسكرية لإسرائيل المجرمة – جرثومة الفساد – المدجّجة بالأسلحة والمدافع والدبّابات وحاملة الطائرات أراضي الجنوب اللبناني مركز إخوتنا في الإيمان، وتعمل على تشريد اللبنانيين المظلومين من منازلهم، وتخريب البيوت وإضرام النيران في المزارع، تقف الدول الإسلامية – في الغالب- غير مبالية بما يحدث من هذه الجرائم، بل تعمل أحياناً على دعمها منهمكة بالتحرّكات والمفاوضات العقيمة، تاركة المجاهدين الفلسطينيين الأبطال وحدهم يتصدّون لإسرائيل بكلّ شجاعة، ولعلّ ذلك تجسيد لمؤامرة حاكتها القوى الكبرى.

الآن، حيث يحترق إخوتنا وأبناؤهم المشرّدون بالنار، ويواجهون أخطاراً كثيرة ينبغي للمسلمين الخيّرين، ولا سيما أبناء إيران المحترمين، الذين هم سبّاقون إلى الخيرات أن يهبّوا لنجدة المشرّدين العزل بأسرع وقت، وتقديم المساعدة لهم بكلّ وسيلة ممكنة، وأن لا يتوانوا عن تقديم كلّ أنواع الدعم والمساعدة المحترمة بوحي من إحساسهم بالمسؤولية بين أيدي الباري سبحانه وتعالى. وإذا أرادوا أن ينفقوا على المشرّدين والمهجّرين من سهم الإمام المبارك – عليه السلام – فبإمكانهم أن ينفقوا حدّ الثلث. كلّنا أمل أن يسعى زعماء الدول الإسلامية، ولا سيّما الدول العربية بوحدة الكلمة للتصدّي لإسرائيل- جرثومة الفساد- ودفعها للانسحاب، وإذا ما تسامحوا في ذلك، فإنّنا نخشى أن يحدث مثل هذا- لا سمح الله – لباقي البلدان.

أسأل الله – تعالى – قطع أيدي الأجانب وعملائهم، وتحقيق استقلال الدول الإسلامية، والسلام على من اتّبع الهدى3.

وقد أجاب على سؤال: (إنّ آخر سلسلة من العمليات العسكرية الإسرائيلية أدّت إلى احتلال أراضٍ عربية أُخرى، أي جنوب لبنان الذي يقطنه الشيعة… كيف تفكّرون بهذا الشأن؟) الإمام الخميني قدس سره: لابدّ لأهالي الجنوب اللبناني من العودة إلى منازلهم بأيّة وسيلة كانت، وإنّ من واجبهم النضال لاسترجاع أراضيهم قبل أن يأتي الإسرائيليون، ويُقيموا المستوطنات.

الإمام قدس سره يطلب نصرة شيعة جبل عامل:

قال الإمام قدس سره: أنا شخصياً طلبت من الشعب الإيراني والشيعة في العالم أن يهبّوا لمساعدة إخوتهم في جنوب لبنان، وقد كان لهذه الدعوة نتائج ملموسة، غير أنّ الحكومات وحدها التي تمتلك الوسائل اللازمة بما يتناسب واحتياجات هذا الشعب، الحكومات وحدها التي بوسعها ممارسة الضغط على إسرائيل لإجبارها على الانسحاب من هذه الأراضي4.

توجيه الشكر إلى شيعة لبنان أشكر الشعب المسلم الشيعي في جنوب لبنان الذي يناضل في سبيل استقلال بلاده وحرّيتها، ويدافع عن الشعب الفلسطيني المظلوم. أشكر له تضامنه مع الشعب الإيراني المسلم المظلوم في مظاهراته يوم تاسوعاء، وأتمنّى أن يواصلوا نضالهم بعزيمة قويّة لإسرائيل عدوة الإسلام والمسلمين، وأن يطردوا جميع المغتصبين والمستعمرين من بلادهم، ويختموا جميع أعمال التخريب والقتل والنهب بالتنسيق مع الحركة الإسلامية الأصيلة لإخوانهم المسلمين في إيران وفلسطين. أطلب من الله تعالى العزّة للإسلام والمسلمين، وأتمنّى أن تقطع أيدي الأجانب. تحية لكم يا جند الإسلام، وأتمنّى لكم التوفيق والسداد5.

* كتاب منار الهدى، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- صحيفة الإمام، ج‏9، ص 184.
2-  صحيفة الإمام ، ج‏1، ص 16.
3- روح الله الموسوي الخميني‏، صحيفة الإمام ج‏3، ص 326.
4- صحيفة الإمام، ج‏5، ص 49.
5- صحيفة الإمام، ج‏5 ، ص127.

المصدر : شبكة المعارف الإسلامية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى