مقالات

تساؤلات حول برهان النظم

بقلم : الشيخ صادق القطان

تطرح في سياق البحث حول برهان النظم وتقرير مقدماته وبيان بداهته بعض التساؤلات يؤول جوهرها إلى خطأ في المقدمات أو الاستنتاجات أو فيهما، ومن تلك التساؤلات:-

١- (مجهولية الناظم): حيث يقول التساؤل أنه وإن كنا ندرك بحواسنا أن الكون يقوم على النظام والانسجام بين أجزائه، غير أن المنشئ لهذا الكون المنظم غير معلوم، فالمسلمون يقولون أن الناظم هو ربهم وغيرهم يقول غير ذلك، وبالتالي فهذا النظم البديع الذي عليه الكون لا يدل بالضرورة على الله ما لم يثبت أنه هو الناظم.

ويجاب على هذا التساؤل بعدة أجوبة نذكر اثنين منها:-

الأول: لابد أن يتصف خالق الكون بأنه مجرد عن المادة، لأنه لو كان ماديا فهو لا محالة حادث سبقه العدم، والمسبوق بالعدم مفتقر إلى من يوجده، فكيف والحال هذه يكون هو الخالق للكون؟ وإذا ما نظرنا فيما سوى الله من الوجودات التي تدعى لها الخالقية وجدنا الجميع ماديا، فلابد والحال هذه أن يكون كل ما ادعيت له الخالقية -سواه تعالى- مخلوقا، فيثبت أن الله هو الخالق.

الثاني: لابد أن لا يكون خالق الكون مقهورا تحت سلطنة شيء من عناصر هذا الكون من زمان أو مكان أو نار أو ماء أو عوامل تجوية وتعرية أو غير ذلك، لأنه لو كان مقهورا بشيء من عناصر الكون لكان محلا للانفعال والتغيير، وما كان محلا لذلك فهو لا محالة مادي حادث، وخالق الكون يجب أن لا يكون حادثا وإلا احتاج بدوره إلى موجد يوجده، ولاحتاج الموجد بدوره إلى موجد، وهكذا، وهو باطل لبطلان التسلسل عقلا، وحيث أن كل ما سوى الله من الوجودات التي تدعى لها الخالقية مقهورة بشيء من عناصر الكون فيستحيل أن يكون أحدها هو الخالق.

٢- (فقدان شرط البرهنة بالتجربة): ومفاد هذا التساؤل أننا في العلوم الطبيعية التي تجتمع عناصرها داخل هذا الكون لا يمكننا الحكم بشيء إلا من خلال التجربة، فتجربة مصاديق النار -مثلا- مصداقا بعد آخر هي التي حكم من خلالها الإنسان البدائي على النار بأنها حارقة، وكذلك الأمر في برودة الثلج وغيره من الأمثلة، وبما أننا لم نطلع على أكوان أخرى غير كوننا لنرى كيف تخلق الأكوان فإننا على هذا ليس لدينا تجربة كافية نحكم من خلالها بأن الأكوان لا تخلق ولا توجد إلا بصانع كما هو شأن سائر الأشياء التي توجد على الأرض، والتي توصلنا بالتجربة إلى كونها غير ممكنة الوجود من دون موجد.

والجواب على هذا التساؤل هو أن برهان النظم ليس برهانا تجريبيا يعمم فيه الحكم على أساس المماثلة بين الأشياء المجربة والأشياء التي تماثلها مما لم يجرب، بل هو برهان عقلي يقوم على أساس قانون العلية الذي يفيد استحالة التفكيك بين العلة ومعلولها، وهو قانون بديهي لا يحتاج التسليم به إلى تكلف، حتى أنه قد أثر عن أعرابي حينما سأل عن كيفية معرفته لله قوله: (البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا تدل على اللطيف الخبير)؟

٣- (عبثية سعة الكون): حيث يقول التساؤل أن هذه المليارات الموجودة من البشر في غنى من أمرها عن كل هذا الوجود الواسع، فهي لا تحتاج حتى تعيش برفاهية إلى أكثر من كوكب الأرض بالإضافة إلى الشمس والقمر لما يؤديانه من دور في الإضاءة لسكان الأرض نهارا وليلا، فخلق هذا الكون الواسع برغم عدم حاجة الإنسان إليه محض ترف وعبث، شأن ذلك شأن من يبني له مدينة فارهة في حين أن أفراد أسرته لا يتجاوز عددهم الاثنين أو الثلاثة.

إن هذا التساؤل يجاب عنه بأكثر من جواب منها أن أبحاث الفضاء قد أثبتت وجود التأثير الإيجابي على الأرض من قبل سائر أجزاء هذا الكون، وأنها لو كانت غير مرتبطة بسائر الكواكب والنجوم فإن آثارا سلبية مدمرة كانت تحدث فيها، فقد جاء -مثلا- في أبحاث الفضاء أن النجوم النيترونية الكبيرة تزود الأرض على الدوام بجزيئات هامة لحفظ الحياة على كوكب الأرض، ومما يؤكد عموما وجود التأثير الكوني من الكواكب الأخرى على كوكب الأرض بعض الروايات الشريفة التي تنهى عن بعض الأعمال إذا كانت بعض الكواكب أو النجوم في أطوار معينة، كالرواية التي تنهى عن الزواج والقمر في برج العقرب، وكالرواية التي تنهى عن الجماع أمام وجه الشمس.

المصدر : شبكة المعارف الإسلامية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى