مقالات

دعاء اليوم التاسع والعشرين

“اللّهمَّ غشّني فيه بالرحمة، وارزقني فيه التوفيق والعصمة، وطهّر قلبي من غياهب التُهمة، يا رحيماً بعباده المؤمنين”.

يتعرّض هذا الدعاء لمفاهيم عدّة يسعى الإنسان المؤمن من خلالها لنيل الرحمة الإلهيّة الواسعة. و نتعرّض هنا للرحمة الواسعة، والتوفيق، وظلمات المعاصي.

1- شمول الرحمة الإلهية

إنَّ حياة الإنسان في هذه الدنيا مملوءة بالرحمة الإلهيّة، فكلُّ نِعَمِ الله التي يعيشها العباد هي من مظاهر رحمة الله الواسعة. وهذه الرحمة هي التي يُطلق عليها العلماء تسمية الرحمة العامّة.

وهي تشمل الأولياء والأعداء، والمؤمنين والكافرين، والمحسنين والمسيئين، فرحمته تعمُّ المخلوقات، وفضله ممدود أمام جميع الموجودات، وكلّ العباد يتمتّعون بموهبة الحياة، وينالون حظّهم من مائدة نِعَمه اللامتناهية. وهذه هي رحمته العامَّة الشاملة لعالم الوجود كافّة وما تسبح فيه من كائنات.

ولكنَّ لله عزَّ وجلَّ رحمة أُخرى خاصّة، لا ينالها الإنسان إلّا إذا استجمع شروطها، وهو الذي تغشاه رحمة الله أي تشمله تماماً.

وهذه الرحمة هي عبارة عن التوفيق للسعادة كالإيمان والتقوى والجنّة، وصفة “الرحيم” في البسملة إشارة إلى رحمته الخاصّة بعباده الصالحين المطيعين، فقد استحقّوها بإيمانهم وعملهم الصالح، وحُرم منها المنحرفون والمجرمون. الأمر الذي يُشير إلى هذا المعنى أنَّ صفة “الرحمن” ذُكرت بصورة مطلقةٍ في القرآن الكريم ممّا يدلُّ على عمومها، لكن صفة “الرحيم” ذُكرت أحياناً مقيّدة، لدلالتها الخاصّة، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾1، وأحياناً أُخرى مطلقة كما في هذه السورة. وفي رواية عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام قال: “والله إله كلّ شيء الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بالمؤمنين خاصّة”2.

2- التوفيق والخذلان

إنّ من مظاهر الرحمة الإلهيّة أن يكتب الله عزَّ وجلَّ للإنسان أن يكون مشمولاً للرحمة الخاصّة، ويقابل ذلك الخذلان، فالعبد الذي يطيع الله هو ممّن ناله التوفيق، وفي المقابل يكون الخذلان نصيب العاصي.

ففي الرواية عن الإمام عليّ عليه السلام: “إنّ الله عزَّ وجلَّ إذا أراد بعبدٍ خيراً نكَتَ في قلبه نكتةً بيضاء وفتح مسامع قلبه، ووكّل به ملَكاً يسدّده، وإذا أراد بعبدٍ سوءاً نكت في قلبه نكتة سوداء، وسدَّ مسامع قلبه، ووكّل به شيطاناً يُضلَّه”3.

وفي المقابل، لا شكّ في أنّ الخذلان هو نوع من أنواع الحرمان الإلهيّ، وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ﴾4، قال عليه السلام: “إذا فعل العبد ما أمره الله عزَّ وجلَّ به من الطاعة كان فعله وفقاً لأمر الله عزَّ وجلَّ وسمي العبد به موفقاً، وإذا أراد العبد أن يدخل في شيء من معاصي الله فحال الله تبارك وتعالى بينه وبين تلك المعصية فتركها كان تركه لها بتوفيق الله تعالى ذكره، ومتى خلّى بينه وبين تلك المعصية فلم يحل بينه وبينها حتى يرتكبها فقد خذله ولم ينصره ولم يوفقه”5.

إنّ أهمّ ركنٍ موجبٍ لنيل الإنسان التوفيق الإلهيّ في العمل بالطاعات واجتناب المعاصي هو في النيّة الصالحة، ففي عن الرواية الإمام الباقر عليه السلام: “إذا علم الله تعالى حسن نية من أحد، اكتنفه بالعصمة”6.

3- ظلمات المعاصي

إنّ أوّل المواطن التي تجعل الإنسان يقترب من المعاصي هي الخطور القلبيّ الذي يعيشه الإنسان ناحية المعاصي. فمتى ابتدأ الإنسان بالتفكير في المعصية، كان في ذلك أوّل خطواته في الدنوّ منها، ولذا على الإنسان أن يسعى ليطهّر قبله من خطور المعصية, ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: “إنَّ منزلة القلب من الجسد بمنزلة الإمام من الناس”7.

إذاً، القلب هو الذي يقود سائر الجوارح، فمتى اشتغل هذا القلب بالمعصية وخطرت له تلك المعاصي، فإنَّ جوارحه سوف تنقاد إليها أيضاً. وبهذا يقع في الذنب.

ولذا يصف الإمام الصادق عليه السلام القلب السليم بأنَّه القلب الذي لم يتعلّق بهذه الدنيا: “هو القلب الذي سلم من حبّ الدنيا”8, لأنَّ حبّ الدنيا إذا سيطر على القلب قاد الإنسان إلى المعاصي وفي ذلك هلاك الإنسان.


1- الأحزاب:43.
2- تفسير القمي – علي بن إبراهيم القمي – ج 1 ص 28.
3- الكافي – الشيخ الكليني – ج 2 ص 214.
4- هود:88.
5- بحار الأنوار – العلّامة المجلسي – ج 5 ص 200.
6- م.ن، ج 75 ص 189.
7- علل الشرائع – الشيخ الصدوق – ج 1 ص 109.
8- بحار الأنوار – العلّامة المجلسي – ج7 ص152.

 

المصدر: شبكة المعارف الإسلامية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى