مقالات

البصيرة والتشخيص الدقيق للأحداث

ينبغي أخذ الموقف الحاسم تجاه القضايا والأحداث وعدم الوقوع في تشويشات العدو المانعة للرؤية الصحيحة، لأن خلق الشك والريبة والتردد وسوء التشخيص من أهم وظائف وغايات الحرب الناعمة المرتكزة على زعزعة الإيمان والثقة بالأفكار والمواقف والشخصيات والرموز، وإرباك الخصم في صراعات وإنشغالات جانبية تؤدي إلى تخريب منظومة العلاقات بين أركانه، وتعطل الطاقات والبرامج وتوقف أي تحرك بمواجهة العدو، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى مستوى من التشتت والتآكل والإنهيار والسقوط التدريجي.

إن خلط الأوراق وإثارة الأحداث من وظائف الحرب الناعمة، أي أنها تخلط الحق بالباطل وترفع شعارات إصلاحية وعقلانية وتصل الى قيام العدو بادعاء مد يد التعاون، وهذا ما يضيع البوصلة الصحيحة للأحداث والقضايا لدى بعض من لم يستوعب الدرس بعد ولم يفهم أن لعبة الحرب الناعمة والسياسات الدولية في عالم تكنولوجيا الإتصال والإعلام وعصر الانفجار المعلوماتي أصبحت تقوم على معادلة الإقناع الإعلامي وهو غير الإقناع البرهاني والشرعي “فالمنتصر والقوي هو من تفوز روايته للأحداث بصرف النظر عن حقيقة الأحداث”[1] أي الطرف الأقدر على إقناع العالم بمصداقية روايته وتوصيفه للأحداث والوقائع بصرف النظر عن الحقائق والمعايير الأخلاقية. ويمكن أن نضرب من باب المثال حجم التضليل والخداع الذي واكب أحداث سوريا وهذا كله من طرق وأساليب الحرب الناعمة.

ومن هنا نفهم إشارة الإمام الخامنئي (دام ظله)، قال سماحته “في الأحداث المثيرة يصعب معرفة ملابسات هذه الأحداث وتحديد المهاجم من المدافع والصديق من العدو” لأن الحرب الناعمة بنظر الإمام الخامنئي “عبارة عن تضليل الشعب – الرأي العام – بشعارات ظاهرها حق ولكن محتواها باطل”.

وقد أكد سماحة الإمام الخامنئي على أهمية البصيرة في مواجهة هذا الموقف وكرر ذكر هذه العبارة عشرات المرات في خطاباته وكلماته، وشرح لمضمون هذه البصيرة بأنها “بمثابة سراج يضيء الطريق في جنح الليل وبوصلة تقود الى المسار الصحيح للتحرك باتجاه الهدف في صحاري الحيرة” وقال في مجال آخر “ينبغي علينا أن نفتح أعيننا وألا نمر على الأحداث مرور الكرام كي نحقق البصيرة في ضوء التأمل والتدبر والتقييم الصحيح للأحداث والقضايا[2]”

وأضاف سماحته إن “البصيرة هي الشرط اللازم والأساسي للنجاح في كل شيء للتوصل الى تحقيق الاهداف، لأن الحياة في ظل النظرة التوحيدية تعني بذل الجهود بصورة متواصلة وهادفة ومدروسة ووفق هذه النظرة تحظى كل حركة بمعنى ومغزى، كما أن كل حركة أو سعي يقابله الأجر والمكافأة الإلهية ولا مجال ولا مكان في ظل هذه النظرة التوحيدية للخيبة والصدمة والاكتئاب”[3].

وأكد سماحته في مجال ميزان تقييم الشخصيات العامة في النظام على “ان مؤشر تشخيص الحق لا يعتمد على الأشخاص بل على البصيرة لتمييز الحق من الباطل لأن الكثير من الشخصيات المعروفة تخطىء”.

ومن هنا وجدنا سماحته يتساءل في خضم معركة وفتنة الانتخابات الرئاسية العام 2009: هل سرور العدو أمام حصول هذه الفتنة من قبيل الصدفة؟ ألا ينبغي أن يلاحظ هؤلاء مدى فرح العدو وسروره من تصرفاتهم وأخطائهم[4] وفي خطبة ثانية قال “إن القائمين على هذه الفتنة سواء علم قادتها أم لا…فإن تحركاتهم بعثت الأمل في نفوس الاعداء”[5].

وينبغي على القادة والعلماء والمسؤولين الإنتباه إلى أن رصد مجريات الأمور يجب أن يتم عبر المصادر والطرق الشرعية، وأن يكون رصداً يقظاً ومتبصراً يستهدف تمحيص الأخبار وتشخيص الوقائع توخياً لمعرفة الحكم الصحيح على الأشخاص والأفكار وأخذ المواقف على ضوء المعايير والموازين الإسلامية، ولا ينبغي التأثر والأخذ بأخبار وتحليلات وسائل الإعلام المعادية، بل ينبغي إجراء قاعدة الإتهام وسوء الظن بأخبار وتحليلات وتصريحات وسائل إعلام العدو، بل ينبغي ترتيب الأثر المعاكس لها دائماً.

وقد أكد سماحته مجدداً على هذه المعادلة خلال لقائه قادة ومنتسبي الحرس الثوري واعتبرها بمثابة مبدأ ينبغي مراعاته وتلمسه “ألا يرى الذين يثيرون القضايا والخلافات سرور وسائل الإعلام الأجنبية وتحليلاتهم؟ إن سرور العدو مؤشر على أن هذه القضية تشكل نقطة ضعف ينبغي وأدها”[6].

ولسماحة الإمام الخامنئي أعزه المولى توصيات ثابتة وتاريخية في هذا المضمار “لا تجعلوا قول تلك الصحيفة أو وكالة الأنباء أو المحطة التلفزيونية معياراً لمواقفكم، فمتى لمستم اشتداداً في ضراوة الهجوم الذي تشنه الصحف ووسائل الإعلام وإثارة الأجواء وما شابه ضد أي أمر يخص النظام أو الحكومة أو الشعب أو الشخصية الفلانية فينبغي التأكد حينها أن هناك مكمن قوة وحصناً منيعاً أجبرهم على تشديد حملاتهم”[7].

وأخيراً يجب الأخذ بما يؤكد عليه سماحة الإمام الخامنئي دائماً وهو بمثابة شعار وخط وأصل ثابت رسمه الإمام الخميني قدس سره وهو “أن غاية النضوج الفكري والسياسي يقوم على مخالفة أخبار وتحليلات وسائل الإعلام الأجنبية المعادية”[8].

الحرب الناعمة – معالم رؤية الإمام الخامنئي دام ظله، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية – بتصرّف


[1] القوة الناعمة، المصدر السابق. ص. 81
[2] خطاب لسماحة الإمام الخامنئي أمام حشد من الطلاب والشباب في مدينة قم بتاريخ 26/10/2010
[3] المصدر نفسه / الخطبة السابقة.
[4] المصدر نفسه / الخطبة السابقة.
[5] خطبة لسماحة الإمام الخامنئي في حشد من الطلبة بتاريخ 26/8/2009
[6] خطاب لسماحة الإمام الخامنئي بذكرى ولادة الامام الحسين × خلال لقاءه قادة الحرس الثوري بتاريخ 4/7/2011
[7] خطاب لسماحة الإمام الخامنئي في حضور أعضاء السلك الدبوامسي الايراني في 16 جمادي الاول من العام 1421 الموافق للعام 2001
[8] خطاب لسماحة الإمام الخامنئي في جمع من كبار مسوؤلي النظام الاسلامي في 7 ربيع الثاني 1421 هجرية الموافق للعام 2001 ميلادية

المصدر : شبكة المعارف الإسلامية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى