مقالات

خواص الحق ومغريات الدنيا

 إن خواص الحق يُقسمون إلى فريقين
أ- الفريق الأول هم الذين يتغلبون في الصراع مع مغريات الدنيا والحياة من الجاه والشهوة والمال واللذة والرفاه والسمعة.

ب- والفريق الآخر هم الذين يخفقون في هذا الصراع، هذه ـ أي اللذة والسمعة والجاه وما شابه ـ كلها أمور حسنة، وكلها من مباهج الدنيا “متاع الحياة الدنيا”. والقرآن حينما يصفها بأنها متاع الحياة الدنيا فلا يعني ذلك أنها قبيحة، فالمتاع جعله الله ليتمتع به الإنسان، ولكن إذا انغمس فيها إلى الحد الذي يعجز عن اجتنابها فيما إذا استدعت التكاليف الصعبة منه ذلك.فهذا شيء، وإذا استمتع فيها إلى الحد الذي يستطيع معه الكف عنها بكل سهولة عند حصول أي امتحان عسير، فهذا شيء آخر.

هذه الأمور تستدعي إعمال النظر فيها، وتستلزم الدراسة والدقة لأن أفراد المجتمع والنظام والثورة لا يمكن ضمان مستقبلهم اعتباطاً، فكل مجتمع يوجد فيه هذان النمطان من نصار الحق، إذا ؤكان الفريق الصالح منهما، أي الذين يستطيعون عند الحاجة الانتهاء من متاع الدنيا، هم الأكثر، فلن يقع المجتمع بما وقع فيه على عهد الإمام الحسين عليه السلام ، وكونوا على ثقة أن المستقبل سيكون مضموناً إلى الأبد.

أما إذا كانوا قلّة، وكان ذلك الفريق من الخواص، أي المناصرين للحق ولكن في الوقت نفسه تنهار معنوياتهم أمام المغريات الدنيوية، بما فيها من ثروة، ودار وشهرة ومنصب وجاه والذين يعرضون عن سبيل الله لأجل أنفسهم فيلتزمون الصمت حيثما يجب قول الحق، حفاظاً على أرواحهم أو مناصبهم أو أعمالهم أو ثرواتهم أو لحب الأولاد والأسرة والأقارب والأصدقاء. هؤلاء إذا كانوا هم الكثرة فالويل الويل حينئذ عندها ينزل السائرون على خطى الحسين إلى أرض الشهادة ويُقادون إلى مسالخ الذبح، ويتسلّط أتباع يزيد على مقاليد الأمور، وسيحكم بنو أُمية الدولة التي أسسها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويطول حكمهم ألف شهر، وتتحول الإمامة إلى ملك وسلطان.

فالمجتمع الإسلامي مجتمع الإمامة، أي يكون الإمام فيه على راس السلطة وهو الشخص الذي يكون بيده زمام الأمور، والناس ينقادون له انقياداً قلبياً نابعاً من الإيمان.أما السلطان فهو على خلاف ذلك يحكم الناس بالقهر والغلبة، والناس لا يعتقدون به ولا يقبلون حكمه ولا يميلون إليه، والمقصود من الناس هنا ذوو الفهم والوعي.

لقد بدّل بنو أمية الإمامة في الإسلام إلى سلطنة وملكية، وحكموا هذه الدولة الإسلامية الكبرى ألف شهر أي تسعين سنة، حينذاك وضعت أسس بناء هش انتهى إلى الثورة ضد بني أمية الذين انقرضوا وجاء بعدهم بنو العباس، وحكموا العالم الإسلامي ستة قرون أي ستمائة سنة على أساس أنهم خلفاء الرسول.

وبنو العباس الذين كان خلفاؤهم أو بتعبير أدق ملوكهم يمارسون الفساد والفسق وشرب الخمور والفجور والفحشاء والخبائث وجمع الثروات واللهو والملذات وآلاف أنواع المفاسد الأخرى، كانوا يحضرون المساجد أيضاً ـ كما هو حال سائر الملوك في العالم ـ ويؤمّون الناس في الصلاة، وكان الناس يصلّون خلفهم اضطراراً ـ وان لم يبلغ
اضطرارهم ذلك الحد ـ أو من باب الاعتقاد المغلوط وهو ما أدى بالنتيجة إلى تخريب معتقدات الناس!

إذا أصبح الخواص المناصرون للحق في مجتمع ما ـ كلهم أو أكثرهم ـ يخافون على حياتهم وعلى فقدان الأموال والمناصب والجاه والمكانة الاجتماعية ويخشون العزلة بسبب تعلقهم بالدنيا. حينذاك لا يناصرون الحق ولا يضحّون بأنفسهم. وحينما تصير الأمور إلى هذا الحال، حينئذ يقع في طليعة الأمور استشهاد الإمام الحسين عليه السلام بتلك الصورة المأساوية، ويكون آخرها تسلط بني أمية والعصابة المروانية ومن بعهدهم بنو العباس. ثم سلسلة السلاطين الذين حكموا العالم الإسلامي إلى يومنا هذا.

*الثورة الحسينية,نشر جمعية المعارف الاسلامية الثقافية,الطبعة الاولى نيسان,2001/1422-ص:39

المصدر : شبكة المعارف الاسلامية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى