مقالات

على ضفاف الغدير

تصوير عن واقعة الغدير

إليك فيما يلي رسم صورة عن واقعة الغدير بصورة ملخّصة وجامعة لجميع جوانبها: ما وقع قبل الخطبة وكيفية الخطاب وما وقع بعد الخطبة. ونبدأ ذلك من الإعلان العام للخروج إلى الحجّ بأمر خاص من الله.

الإعلان عن الحجّ والولاية

في العام العاشر للهجرة، جاء الأمر الإلهي للرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم ليبلغ الناس آخر ما بقي من مسائل الإسلام: الحجّ وإمامة الأئمة الإثنا عشر عليهم السلام.

وأعلن النفير العام إلى الحجّ، فتحرّكت نحو مكّة من كلّ جهة أعداد تجاوزت المئة وعشرين ألف من المسلمين. فخرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم والجموع المرافقة له بعد أن أحرم هو ومن معه من الميقات (مسجد الشجرة) نحو مكّة، فدخلها في الخامس من شهر ذي الحجّة الحرام.

وخرج أمير المؤمنين عليه السلام أيضاًـ وكان ممثلاً لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في اليمن ونجران ـ ومعه اثنا عشر ألفاً من أهل اليمن ودخلوا جميعاً مكّة وهم محرمين.

أعمال الحج

ومع حلول أيّام الحجّ، توجّه الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم نحو عرفات والمشعر الحرام ومنى، وأدّى أعمال الحج واحداً بعد الآخر وعلّم الناس واجباته ومستحبّاته.

وفي عرفات نزل أمر الله على الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بتنصيب أمير المؤمنين عليه السلام ولاية الأمر وتسليمه العلم وودائع الأنبياء عليهم السلام، فسلّمها إيّاه.

وفي منى تحدّث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم مرّتان مهيّئاً الأرضية للإعلان عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام. ففي الخطبة الأولى أعلن عن خلافة علي عليه السلام في كلّ موضع لم يحضره رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وذكّرهم حديث الثقلين فقال: “إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي”. وفي الخطبة الثانية في مسجد الخيف ذكّرهم بإمامة علي بن أبي طالب عليه السلام وأكّد على الناس المحافظة على كلامه هذا وأن يبلّغ الشاهد الغائب.

لقبأمير المؤمنين

بعد العودة إلى مكّة، جاء جبرئيل بالأمر الإلهي بمنح لقب «أمير المؤمنين» لعلي بن أبي طالب عليه السلام ليكون خاصاً به. فأمر أن يحضر الصحابة عند أمير المؤمنين عليه السلام وأن يسلّموا عليه بإمرة المؤمنين، فحضروا ووقفوا أمامه واحداً بعد واحد وسلّموا عليه قائلين: السلام عليك يا أمير المؤمنين. وكان هذا الأمر قد تمّ إنجازه من قبل رسول الله أيضاً في موارد مختلفة طيلة حياته صلّى الله عليه وآله وسلّم.

الإعلان العام للحضور في الغدير

بعد إتمام مراسيم الحجّ نزل أمر الله: ﴿يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس. فدعا صلّى الله عليه وآله وسلّم بلالاًـ وكان مناديه ـ وقال له: نادِ في الناس: أن لا يبقى غداً أحد إلاّ خرج إلى غدير خمّ.

يقع “غدير خمّ” قبل الجحفة بقليل، التي هي موضع تقاطع مسير أهل المدينة ومصر والعراق والشام ونجد، وقد تمّ انتخابها تنفيذاً لأمر إلهي. وكان الغدير بسبب وجود الماء وبعض الأشجار القديمة موئلاً لاستراحة القوافل، وقد بقي طيلة القرون مسجد هناك باسم “مسجد الغدير” كذكرى لتلك الأيام وكانت تقام فيه مراسم العبادة والزيارة.

وبعد هذا الإعلان أخذ الناس يتهيّؤون للخروج من مكّة، متعجبين من حركة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم السريعة دون أن يبقى ببلدته ومهاجرها أيّاماً يزوره الحاج فيها ويسألونه عن معارفهم الدينيّة.

حضور المسلمين في “غدير خمّ”

في صباح ذلك اليوم الذي خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فيه من مكّة رافقه مئة وعشرين ألف متوجّهين جميعاً نحو غدير خمّ ورافقه اثنا عشر ألف من أهل اليمن وإنّما غيروا مسيرهم نحو الشمال لأهمّيّة الخبر الذي عرفوا أنّه سيقوم به رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في غدير خمّ. وعند وصولهم إلى منطقة الغدير، غيّر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم مسيرهم نحو يمين الطريق وأمر المنادي أن ينادي بتوقّف الناس جميعاً وأن يردّ من تقدّم منهم ويحبس من تأخّر عنهم، حتّى يجتمع الناس في المحل المتعين من جانب الله تعالى. وأمر كذلك أن لا يذهب أحد إلى موضع الأشجار القديمة وأن يبقى ذلك المكان خالياً للمراسيم التي ستجري هناك طيلة ثلاثة أيام.

وبهذه الأوامر توقّفت جميع المراكب عن المسير، وترجّل الجميع في منطقة الغدير وأخذ كلّ واحد منهم لنفسه مكاناً حتى هدأوا جميعاً. وكانت قوّة الشمس وحرارة الأرض إلى الحدّ الذي جعل الناس وحتى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم يلجؤون إلى تغطية رؤوسهم بطرف من ثيابهم ويضعون طرفا آخر تحت أقدامهم، ولفّ آخرون أقدامهم بعباءاتهم.

أحداث قبل الخطبة

وأعطى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أوامره لسلمان وأبي ذرّ والمقداد وعمّار ليمهّدوا الأرض تحت الأشجار القديمة، فأخذوا يقلعون الأشواك ويجمعون الأحجار والصخور الناتئة ثمّ نظّفوا المكان ورشّوه بالماء، وربطوا بين شجرتين بقماش ليصنعوا منها ظلاًّ يجعل المكان مناسباً للإقامة ثلاثة أيام ينجز فيها الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم عمليّة الإبلاغ.

وتحت ظلّ الأشجار جمعوا الأحجار ووضعوا بعضها فوق الآخر، وصنعوا منها ومن أحداج الإبل منبراً بارتفاع قامّة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ثمّ ألقوا على المنبر قطعة قماش، وكان المنبر يتوسّط طرفي الجموع المحتشدة بحيث يكون الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو على المنبر مشرفاً على الجميع ليصل صوته إليهم وليكون مركزاً لأنظارهم. وكان أحد الأشخاص يكرّر ما يقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم ليوصله إلى من كان بعيداً عن المنبر.

كيف خطب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم

ووصل ترقّب الناس إلى نهايته، وانطلق منادي الرسول ينادي بالناس: الصلاة جامعة، ليجتمعوا أمام المنبر، ثمّ صلّى بهم الظهر جماعة. وبعد ذلك رأى الناس رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو قائم على المنبر، ثمّ دعا أمير المؤمنين عليه السلام ليصعد المنبر وليقف إلى يمينه. وقبل أن يتحدّث كان أمير المؤمنين واقفاً إلى يمينه صلّى الله عليه وآله وسلّم دونه بمرقاة.

ثمّ ألقى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم نظرة إلى اليمين واليسار وكأنّه ينتظر أن يجتمع الناس كلّهم، وبعد أن أصبح الناس مهيأين للاستماع، ابتدأ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم حديثه التاريخي وهو آخر خطبة رسميّة وجّهها إلى البشريّة.

ومع هذه الصورة الخاصّة للمنبر والحديث، حيث يقف اثنان على المنبر سنمضي نحو خطبة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في غدير خمّ.

خطوتان عمليتان على المنبر

مع أنّ المتعارف عليه أثناء الخطاب أن يقتصر الأمر على التحدّث، ولكن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قام أثناء خطبته بخطوتين عمليتين شدّت الأنظار بشكل كبير. وقبل استعراض موجز عن خطبته صلّى الله عليه وآله وسلّم فإنّ تصوير هاتين الخطوتين أمر ضروري:

الأولى: رفع أمير المؤمنين عليه السلام وتعريفه

من أجل أن لا تبقى إلى آخر الأبد أيّ شبهة أو شكّ، فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد توضيح مقام الخلافة والولاية والتعريف بأمير المؤمنين عليه السلام عبر خطبته، فإنّه عرّفه للناس بصورة عمليّة، فعندما وصل إلى قوله: “.. ولن يوضح لكم تفسيره إلاّ الذي أنا آخذ بيده ومصعده إليّ وشائل بعضده ورافعه بيدي ..” قام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بتنفيذ ذلك عمليّاً حيث أخذ بعضديه، فرفع أمير المؤمنين عليه السلام يديه إلى السماء، وعلى تلك الحالة رفعه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتّى وصلت قدمي أمير المؤمنين عليه السلام إلى ركبتي الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، ثمّ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في تلك الحالة: “مَنْ كنتُ مولاهُ فهذا عليٌّ مولاهُ، اللهمّ والِ مَنْ والاهُ وعادِ مَنْ عاداهُ وانصر من نصره واخذل من خذله”.

الثانية: البيعة بالقلب واللسان نيابة عن اليد

بما أنّ أخذ البيعة باليد في تلك الجموع المحتشدة كانت غير ممكنة من جهة، ومن جهة أخرى ربّما سوّلت للبعض نفوسهم أن يتملّصوا من البيعة، ولذلك فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في أواخر خطبته: معاشر الناس، إنّكم أكثر من أن تصافقوني بكفّ واحد في وقت واحد، وقد أمرني الله عز وجل أن آخذ من ألسنتكم الإقرار بما عقدت لعلي أمير المؤمنين، ولمن جاء بعده من الأئمة مني ومنه، على ما أعلمتكم أنّ ذريتي من صلبه، فقولوا بأجمعكم:

“إنّا سامعون مطيعون راضون منقادون لما بلّغت عن ربّنا وربّك في أمر إمامنا علي أمير المؤمنين ومن ولدت من صلبه من الأئمة. نبايعك على ذلك بقلوبنا وأنفسنا وألسنتنا وأيدينا، على ذلك نحيى وعليه نموت وعليه نبعث، ولا نغيّر ولا نبدّل، ولا نشكّ ولا نجحد ولا نرتاب، ولا نرجع عن العهد ولا ننقض الميثاق.

وعظتنا بوعظ الله في علي أمير المؤمنين والأئمة الذين ذكرت من ذريّتك من ولده بعده، الحسن والحسين ومن نصبه الله بعدهما. فالعهد والميثاق لهم مأخوذ منّا، من قلوبنا وأنفسنا وألسنتنا وضمائرنا وأيدينا. من أدركها بيده وإلا فقد أقرّ بلسانه،ولا نبتغي بذلك بدلاً ولا يرى الله من أنفسنا حولاً. نحن نؤدي ذلك عنك الداني والقاصي من أولادنا وأهالينا، ونشهد الله بذلك وكفى بالله وشهيداً وأنت علينا به شهيد”.

وعندما انتهى صلّى الله عليه وآله وسلّم من كلامه رددت الجموع ما قاله، وهكذا تمّت البيعة العامّة لأمير المؤمنين عليه السلام، وقد قام صلّى الله عليه وآله وسلّم بالبيعة بالأيدي بعد خطبته.

خلاصة لتوجيهات الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في خطبة الغدير

إنّ الخطبة التاريخيّة للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في الغدير- التي دامت حوالي ساعة والتي تستغرق عشرين صفحة- يمكن تقسيمها إلى أحد عشر فصلاً:

ففي الفصل الأوّل يقدّم الرسول صلّى الله عليه وآله لخطبته بالحمد والثناء لله وذكر صفاته وقدرته ورحمته تعالى، ثمّ يقرّ بعبوديّته لله.

وفي الفصل الثاني يتعرّض للموضوع الأساسي، فيصرّح بضرورة قيامه بإبلاغ أمر مهمّ يتعلّق بعليّ بن أبي طالب عليه السلام، قائلاً: إنّ الله قد أعلمني أنّي إن لم أبلّغ ما أنزل إليّ في حقّ عليّ فما بلّغت رسالته..” .

وفي الفصل الثالث يعلن عن إمامة الأئمّة الإثني عشر عليهم السلام من بعده حتى آخر الزمان ليقطع بذلك الطريق على الطامعين والى الأبد.

ومن النقاط المهمّة في حديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم الإشارة إلى الولاية العامّة للائمّة عليهم السلام على الناس كلّهم وفي جميع الأزمنة، ومن ثم نيابتهم التامة عن الله والرسول في الحلال والحرام وفى جميع الأمور.

وفي الفصل الرابع يأخذ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بعضدي أمير المؤمنين عليه السلام ويرفعه ويقول – وهو بتلك الحالة: “من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللهمّ والِ من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله..”، ثمّ يؤكد على أنّ كمال الدين وتمام النعمة إنّما هي بولاية الأئمّة الإثنا عشر المعصومين عليهم السلام، ثم يشهد الله والملائكة والناس على أنّه بلّغ ما أمر به.

وفي الفصل الخامس يتحدّث بكلام صريح فيقول: “فمن لم يأتم به وبمن يقوم مقامه من ولدي من صلبه إلى يوم القيامة والعرض على الله عز وجل فأولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وفي النار هم خالدون”. ثم يستعرض صلّى الله عليه وآله وسلّم جملة من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام.

في الفصل السادس يذكّر صلّى الله عليه وآله وسلّم الناس بالغضب الإلهي، فبعد أن يتلو آية من القرآن جاء فيها اللعن والتهديد بالعذاب، يقول: “بالله ما عنى بهذه الآية إلا قوماً من أصحابي أعرفهم بأسمائهم وأنسابهم وقد أُمرت بالصفح عنهم”. ويقول أيضاً: “قد جعلنا الله حجة على المقصرين والمعاندين والمخالفين والخائنين والآثمين والظالمين والغاصبين من جميع العالمين”.

ثمّ يحذّر الناس من أئمّة يدعونهم إلى النار فيقول: “إن الله وأنا بريئان منهم”، ويشير بصورة رمزية إلى أصحاب “المؤامرة والصحيفة”. ثم يصرح أنّ الإمامة ستُغتصب من بعده ويلعن الغاصبين.

وفي الفصل السابع يركّز حديثه على آثار الولاية والمحبة لأهل البيت عليهم السلام فيقرأ سورة الحمد ويقول: “فيّ نزلت وفيهم والله نزلت”، ومعنى ذلك أنّ أصحاب الصراط المستقيم في سورة الحمد الذين أنعم الله عليهم هم موالي علي بن أبي طالب عليه السلام، والمغضوب عليهم والضالين هم أعداء آل محمد عليهم السلام.

ثم يتلو صلّى الله عليه وآله وسلّم آيات من القرآن الكريم حول أصحاب الجنة ويفسرها بأنّهم أتباع آل محمد عليهم السلام، كما يتلو آيات حول أصحاب جهنم ثم يوضح أنهم أعداء آل محمد عليهم السلام.

وفي الفصل الثامن يتحدث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم عن أمور مهمة حول بقية الله الأعظم الحجة بن الحسن المهدي (أرواحنا فداه)، حيث يشير إلى أوصافه وأحواله الخاصة ويبشّر المؤمنين بمستقبل تسوده العدالة على يديه عجل الله تعالى فرجه الشريف.

وفي الفصل التاسع يقول: “ألا وإنّي عند انقضاء خطبتي أدعوكم إلى مصافقتي على بيعته والإقرار به، ثمّ مصافقته بعدي، ألا وإنّي قد بايعت الله، وعليٌّ قد بايعني وأنا آخذكم بالبيعة له عن الله عز وجل..”، وبذلك يستحثّهم على البيعة والإقرار بحق علي عليه السلام.

وفي الفصل العاشر يتحدّث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم عن بعض الأحكام الإلهيّة.

ثمّ يقول صلّى الله عليه وآله وسلّم: “ألا إن الحلال والحرام أكثر من أن أحصيهما وأعرّفهما فآمر بالحلال وأنهى عن الحرام في مقام واحد، فأمرت أن آخذ البيعة منكم والصفقة لكم بقبول ما جئت به عن الله عز وجل في علي أمير المؤمنين والأوصياء من بعده الذين هم مني ومنه إمامة فيهم قائمة، خاتمها المهدي إلى يوم يلقى الله الذي يقدر ويقضي. ألا وإنّ رأس الأمر بالمعروف أن تنتهوا إلى قولي وتبلغوه من لم يحضر، وتأمروه بقبوله عني وتنهوه عن مخالفته”.

وبذلك يعطي الضابطة الكلية في تحصيل أحكام الشرع في كافة جوانبها.

وفي الفصل الأخير من الخطبة، تتم البيعة باللسان، إذ يقول: “وقد أمرني الله عز وجل أن آخذ من ألسنتكم الإقرار بما عقدت لعلي أمير المؤمنين..” وبعدها يعلّم الناس ما ينبغي لهم أن يقولوه على لسانهم، وخلاصته: إطاعة الأئمة الإثني عشر عليهم السلام، والمعاهدة على عدم تغيير وتبديل ما بايعوه عليه، وإيصال ما بلّغه الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى الأجيال القادمة والغائبين عن الغدير.

وكانت آخر كلماته صلّى الله عليه وآله وسلّم في خطبته الدعاء للذين آمنوا بأقواله واللعنة على المنكرين أوامره، وأنهى خطبته بقوله: “والحمد لله ربّ العالمين”.

مراسيم أعقبت الخطبة

لم يكتفِ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في الغدير بالخطبة فقط، بل أجرى بعدها مراسيم تأكيد لمضامين الخطبة الشريفة ولكي لا ينساها أحد ممن حضر أو سمع بأخباره. وإليك فيما يلي بيان ذلك:

بيعة الرجال

ومع انتهاء الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم من خطبته ناداه القوم: “نعم، سمعنا وأطعنا أمر الله وأمر رسوله بقلوبنا وألسنتنا وأيدينا”، وتحرّك الناس أفواجاً وتداكوا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأمير المؤمنين عليه السلام وصافقوا بأيديهم مبايعين ومباركين له.

وكان صلّى الله عليه وآله وسلّم قد هيّأ الناس أثناء الخطبة لمسألة البيعة حيث قال: “ألا وإني عند انقضاء خطبتي أدعوكم إلى مصافقتي على بيعته والإقرار به، ثم مصافقته بعدي”.

ثم نصّ على ضمان هذه البيعة واتصاله بالحضرة الإلهية قائلاً: “ألا وإني قد بايعت الله، وعليٌّ قد بايعني، وأنا آخذكم بالبيعة له عن الله عز وجل”. ثم استشهد صلّى الله عليه وآله وسلّم بآية من القرآن وقرأ: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً.

لذلك أصدر بعد الخطبة أمراً بنصب خيمتين، جلس هو في إحداهما وطلب من أمير المؤمنين عليه السلام أن يجلس في الخيمة الثانية.

وتحرّك الناس مجموعة بعد أخرى للمثول أمام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في خيمته لمبايعته ومن ثمّ الانتقال إلى خيمة أمير المؤمنين عليه السلام لمبايعته على أنه الإمام وخليفة رسول الله وسلموا عليه بإمرة المؤمنين، مباركين مهنئين له بهذا المقام السامي. وكان صلّى الله عليه وآله وسلّم يخاطب الناس قائلاً: “هنئوني، هنئوني، فإن الله خصّني بالنبوة وخصّ أهل بيتي بالإمامة”. واستمرت البيعة ثلاثة أيام، وكان الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم مقيماً طيلة الأيام الثلاثة في غدير خمّ.

والمسألة الجديرة بالملاحظة في هذه البيعة هي أن أولئك الذين بايعوا أمير المؤمنين عليه السلام وتقدّموا على الآخرين بذلك، هم أنفسهم أولئك الذين كانوا أسرع من غيرهم في نقض بيعتهم والذين ألقوا عهدهم تحت أقدامهم حيث وقفوا بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ضدّ أمير المؤمنين عليه السلام واحداً بعد الآخر. كما أن الذين تقدّموا الآخرين في البيعة، سألوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: “هل هذا أمر من عند الله أو من عندك”؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: “أمر من الله ورسوله أنه أمير المؤمنين”.

وقد قال عمر بعد أن بايع: “بخ بخ لك يا علي، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة”.

بيعة النساء

من جهة أخرى أمر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بأن يؤتى بإناء فيه ماء ووضع عليه ستار يقسم الإناء إلى قسمين،وتمت البيعة بأن كانت المرأة تضع يدها في القسم الذي يليها في الإناء ويضع أمير المؤمنين عليه السلام يده في القسم الذي يليه. وهكذا تمّت بيعة النساء أيضاً، بحيث لم يبقَ في الغدير أحد يمكنه أن يقول: “ما بايعت وإنّما حضرت وسمعت”!.

والنقطة المهمة هي أنّ الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام قد شهدت بيعة الغدير، وكذلك جميع زوجات النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.

عمامة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم

في هذه المراسيم وضع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عمامته التي تسمى”السحاب” على رأس أمير المؤمنين عليه السلام، وأرسل حنكها على صدره عليه السلام وقال: “إنّ الله عز وجل أيّدني يوم بدر وحنين بملائكة معتمّين بهذه العمة”، وصرّح بأنّ العمامة تيجان العرب. فكان معنى عمله هذا إعلاناً بالفخر الأبدي لعلي وأولاده المعصومين عليهم السلام حيث خُصوا بهذا المقام الشامخ.

المصدر : شبكة المعارف الاسلامية . 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى