مقالات

المنصب وخدمة الناس

قد يتصور بعض أبناء الدنيا البعيدين عن روح الإسلام أن المنصب يجعل الإنسان رفيعاً ومتعالياً على الناس فعليه أن يطوّل أذياله ليرفعها خدامه من خلفه، وعليه أن يسير في الأرض بأنفة على طريقة (لا مساس)، فبارتفاعه إلى هذا المنصب صار وكأنه من كوكب آخر، وعلى الناس في الطبقة السفلى بحسب تصوره وزعمه أن يخدموه ويبحثوا عن رضاه ويقدموا له القرابين حتى قد يصل بسلوكه ومنهجه إلى مقولة “أنا ربكم الأعلى” وإن لم يتلفظ لسانه بهذه الكلمات. فكل حركاته وسكناته رسائل تستبطن ذلك.

إن شخصاً كهذا هو مريض يعيش عقدة الذاتية ولا يعيش مقتضيات المنصب.

فليس المنصب هو تعالٍ عن الناس ولا ترفع عنهم بل هو على العكس من ذلك، نعم المنصب في الحقيقة هو خدمة الناس، وكلما ارتفع المنصب كلما قويت الخدمة وتأكدت، يقول الإمام الخميني قدس سره: “يجب أن تزداد الخدمة، فكلما ارتفع الواحد درجة يجب أن يزداد تواضعه من الناس ولو تحقق هذا الأمر وتنبهنا إلى مثل هذه الأمور واعتبرنا من التاريخ فإن جميع القوى يمكنها أن تكسب قاعدة جماهيرية تحفظه”.

فالحاكم كان خادماً للناس في التاريخ الإسلامي، حيث ينقل الإمام قدس سره: “كان بعض البدو القادمين من خارج المدينة لا يعرفون من هو النبي عند دخولهم إلى المسجد، لأنه جالس بشكل لا يعرف من هو النبي ومن هم الأصحاب، وذهب الإمام علي عليه السلام وأخذ رفشه وفأسه ليعمل في نفس اليوم الذي بايعوه فيه على خلافة الرسول (صلى الله عليه وآله) فكان يعمل ويده متقرحة، ونفس الشي‏ء يقال لباقي القادة الحاكمين، فلم يتعاملوا مع الناس من موقع الحاكم والمحكوم، بل كان الوضع والحال هو الخدمة حيث كان الحاكم خادماً للناس”.

هكذا كانت روحية الإسلام وهكذا كان الإمام قدس سره في فكره ونهجه، حيث يقول قدس سره: “أن يقال لي خادم أفضل من أن يقال لي قائد، فالقيادة ليست مهمة، المهم هو الخدمة والإسلام أمرنا أن نخدم”.
ويقول قدس سره: “لقد عدت لأعرض عليكم خدماتي أيها الأعزاء، فما دمت حياً سأبقى خادماً للجميع، خادماً للشعوب الإسلامية، خادماً للشعب الإيراني العظيم، خادماً للجامعيين ولعلماء الدين، خادماً لجميع الشرائح الاجتماعية في الوطن وكل الشرائح في البلاد الإسلامية وكل مستضعفي العالم”.

ومن هنا نجد الإمام قدس سره لا يعتبر المنصب غنيمة وجائزة ومكسباً بل على العكس تماماً، يقول قدس سره: “إن الأئمة والفقهاء العدول مكلفون باستخدام النظام والحكومة لتطبيق الأحكام الإلهية وتحقيق النظام الإسلامي العادل وخدمة الناس. ورغم أن الحكم لا يعني بالنسبة لهم سوى الأذى والتعب والإرهاق، ولكن ما العمل؟ إنهم مكلفون بأداء الوظيفة فولاية الفقيه مسؤولية وأداء وظيفة”.

والمنصب كمجرد مقام ليس له قيمة على الإطلاق، يقول الإمام الخميني قدس سره: “إن استلام الحكم في حد ذاته لا يعتبر شأنا أو مقاماً، بل وسيلة لأداء مسؤولية تطبيق الأحكام وإقامة النظام الإسلامي العادل، قال أمير المؤمنين عليه السلام لابن عباس عن الحكم والقيادة بينما كان يخصف نعله بيده: “ما قيمة هذا النعل؟ قال ابن عباس: لا قيمة لها، فقال الإمام عليه السلام: والله لهي أحب إليّ من إمرتكم إلا أن أقيم حقاً (يعني قانون ونظام الإسلام) أو أدفع باطلاً (يعني القانون الظالم والأنظمة الجائرة)”.


خدمة الناس في فكر الإمام الخميني قدس سره، مركز الإمام الخميني الثقافي

المصدر : شبكة المعارف الاسلامية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى