مقالات

الإمام الخميني ومناهضة الاستكبار العالمي

إنّ فكرة السلم هي الفكرة التي يجب أن تنطبع بها أساساً علاقات الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول، وبمعنى أن الحرب التي وجب على المسلمين أن يواجهوها هي حرب دفاعية يفرضها مبدأ الدفاع عن النفس وليست بالتالي حرباً عدوانية. والقرآن الكريم مليء بالآيات التي تؤكد النهج الذي يجب على المؤمنين أن يسلكوه في علاقاتهم مع غيرهم من الكافرين فالقتال في سبيل الله من جانب المؤمنين غالباً ما كان ردة فعل ضد العدوان عليهم، وقد مقت الله العدوان استناداً إلى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾. أو قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾. وإذا كان الإسلام قد مقت العدوان باعتباره حالة مبادأة واستفزاز، إلا أنه من جهة أخرى أباح الحرب الدفاعية التي ليست إلا صورة من صور الدفاع عن النفس. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾. إلا أن طريق السلم هي الطريق الأسلم، فمن وضع في حالة الخيار بين السلم والحرب، فعليه أن يختار السلم لأنها القاعدة التي يجب أن تسود العلاقات الدولية: (وأن جنحوا للسلم فاجنح لها). وفي الحقيقة، فإن الإمام الراحل (روح الله الموسوي)(قدس سره)، لم يمانع من إقامة العلاقات والتعاون بين الدول بشرط أن لا تتعدى حدها المعقول، لأن العلاقات التي تؤدي إلى استعمار البلاد وإذلال الشعوب، يرفضها العقل والشرع المقدس، أما مسألة تعاون وتعاضد الشعوب مع بعضها فكانت دائماً حديث الإمام (رحمه الله) حيث كان يرى في تعاون الشعوب قوة لها، أي كان يؤكد أن قوة الشعوب في تلاحمها وتعاونها مع بعضها، هؤلاء المستكبرين وعلى رأسهم (أمريكا) لم يفكروا سوى بمصالحهم ولن يفكروا إلاّ بالويلات والدمار للشعوب المستضعفة، يقول(قدس سره): ( يارب أنت تعلم أن الإستكبار وأمريكا ناصبة العالم قد مزقوا ورود حديقة رسالتك). ويقول(قدس سره): في وصيته السياسية الإلهية: (وعليكم أن تفضلوا الحياة المشرفة وإن اقترنت بالمشاكل على حياة ذليلة مقرونة بالإستعباد للأجانب وإن صحبها رفاه حيواني، واعلموا أنكم مادمتم في تأمين احتياجاتكم من الصناعات المتطورة تمدون أيديكم إلى الآخرين، وتقضون عمركم بالاستجداء، فإن قدرة الإبتكار في الإختراعات سوف لا تتفتح فيكم). ولقد فهمت من أحاديث الإمام(قدس سره) أنه دعا إلى عزة المسلمين ونهى عن خضوعهم وإذلالهم وكان يدعو (رحمه الله) إلى عزتهم وقوتهم وكرامتهم، وكان يسعى دائماً في المحافل الدولية أيضاً إلى إيجاد العزة للإسلام والمسلمين وإبعاد الأسر والإستعباد عنهم، فالعالم الإسلامي يواجه في عقر داره جاهليات كثيرة، جاهلية الشرق ـ وجاهلية الغرب ومن هنا جاءت دعوة الثورة الإيرانية المباركة للعلماء والمؤمنين أن يعلنوا بطلان أي منهج وسياسة غير منهج الإسلام وسياسة الإسلام لأن الحكم لله وحده وأن لا يعبد ولا يطاع غيره، ولا يحكم إلا بحكمه، قال الله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ويقول الإمام(قدس سره) :(إنّ الله تعالى وعد المستضعفين في الأرض بأن ينصرهم على المستكبرين بعونه وتوفيقه، ويجعلهم أئمة وهداة، وقد اقترب وعد الله تعالى، وإني آمل أن نرى هذا الوعد فيتغلب المستضعفون على المستكبرين، كما تغلبوا حتى الآن) وجاء أيضاً: (وصيتي إلى جميع المسلمين والمستضعفين في العالم هي أنكم يجب ألا تجلسوا وتنتظروا حكام ومسؤولي بلادكم أو القوى الأجنبية ليأتوكم ويتحفوكم بالاستقلال والحرية، نحن وأنتم خلال القرن الأخير على الأقل حيث دنست أقدام القوى الكبرى الطامعة كل البلدان الإسلامية وسائر البلدان الصغيرة شاهدنا أو قرأنا الصحيح من التاريخ أن أية حكومة من الحكومات المسيطرة في هذه البلدان في الماضي والحاضر لم تكن تهتم بحرية شعوبها واستقلالهم ورفاههم) ويتابع (رحمه الله): (وصيتي إلى جميع المستضعفين أن يسيروا قدماً نحو معرفة ذاتهم ونحو الاكتفاء الذاتي والاستقلال بل أبعاده). ولقد جاء في بيان الإمام(قدس سره) بمناسبة نوروز(42): (إنّ هدف الأجانب الأساسي هو ضرب القرآن وعلماء الإسلام إن أيادي الأجانب القذرة تمتد من خلال مثل هذه الحكومات لاقتلاع القرآن وضرب العلماء العاملين, يريدون هتكنا من أجل تحقيق مصالح اليهود وأمريكا يريدون سجننا أو إعدامنا فداء لتحقيق أهداف ومصالح الأجانب المشؤومة)، فكما في إيران كان الشعب يعي الفاجعة التي حلت بالإسلام من وراء أمريكا وعملائها المتمثلين بالنظام البهلوي المشؤوم هؤلاء هم شباب إيران، الذين كانوا قد عرفوا وأفاقوا، فعقدوا العزم وشدوا القبضات، وهزموا الدبابات بالأيدي الخالية) ويتابع الإمام(قدس سره) خطابه في ممثلي حركات التحرر (إن لم تحصل الشعوب على مثل هذه اليقظة وعلى مثل هذا الإنسجام فلتعلم بأنها ستكون راضخة للحكومات الفاسدة راضخة لأمريكا وسائر القوى العظمى(عليها أن تفعل كما فعل الشعب المسلم في إيران وأطاح بالنظام الشاهنشاهي، وبامتلاك كل هذه الثروات وكل هذه الإمكانات يستطيعون مثلاً لو قطعوا النفط لأسبوع واحد عن هؤلاء المجرمين حل كل المشاكل ودحر المعتدين، ومع ذلك يقولون نحن لا نفعل ذلك). لقد كانت سياسة الإمام(قدس سره) تعني العزة للمسلمين وتعني أيضاً إبعاد الاستعباد والاستكبار والذل عن المجتمع الإسلامي القوي بحب الله وعون الله، ودعم كل ما هو في خير ومصلحة الإسلام والمسلمين، لأن سياسة الإمام(قدس سره) هي نفس سياسة أن لا إله إلا الله سياسة الإكتفاء الذاتي والإستقلال والرجوع إلى الله عزوجل ونصره والإعتماد عليه. يقول (رحمه الله): (إننا سنمنع بكل وجودنا وطاقاتنا توسع الابتزاز الأميركي وتوسع حصانة عملاء أمريكا، حتى لو اقتضى الأمر منا الكفاح بالقوة، وإننا إن شاء الله لن ندع لحن التعاون والتوافق مع أمريكا وروسيا والكفر والشرك يعزف)، ويتابع(قدس سره) (أيها المسلمون في جميع أقطار العالم، بما أنكم تحت سلطة الأجانب مبتلون بالموت البطيء, عليكم أن تنتصروا على الخوف من الموت، وأن تستفيدوا من وجود الشبان المندفعين المتطوعين للشهادة المستعدين لاختراق خطوط جبهة الكفر، لا تفكروا في الإبقاء على الوضع القائم، بل فكروا في التخلص من الأسر، وفي التحرر من العبودية والثورة على أعداء الإسلام، لأن العزة والحياة إنما هما في ظل الكفاح، وأن أول خطوة في الكفاح هي الإرادة، وعاهدوا أنفسكم بعد ذلك على منع سيادة الكفر والشرك العالمي وبخاصة أمريكا). ونستطيع أن نلاحظ بكل سهولة أن كل القوى الكبرى تخشى يقظة الجماهير المسلمة أشد خشية، ولذلك فهي تعمل جاهدة من أجل أن تمنع هذه اليقظة، ولقد كانت الثورة الإيرانية المباركة أول من أسقط قاعدة المكر والخداع من أذهان الناس، فظهر الإستكبار بأبشع صوره خاصة وأن نفوذ الإستكبار الإمبريالي والرأسمالي الجشع والناهب لأمريكا قد بدأ بالتغلغل في إيران في أعقاب الحرب العالمية الثانية، متزامناً مع توسع الهيمنة الأمريكية على كل أنحاء العالم.. والتاريخ يذكر أن ملف الإمبريالية الأمريكية في إيران ضخم جداً، فقد استمرت التصرفات الجائرة والإستغلالية والإستكبارية لأمريكا عبر واجهات وصور حديثة لأكثر من ربع قرن يمكن تحديدها بعدة قطاعات، كالاستغلال الاقتصادي والهيمنة السياسية والنفوذ العسكري والتبعية الثقافية، ومن هنا نلاحظ أن الثورة الإيرانية كان لها آثار تبلغ حد الإعجاز وبعدم نظيرها في التاريخ. من هنا نلاحظ عزيزي القارئ مدى أهمية دراسة هذه الثورة الإسلامية المؤمنة. يقول (رحمه الله): (لقد رأينا ورأيتم لاسيما في القرن الأخير الذي شهد توغل القوى الكبرى ناهبة العالم، ودخولها المرحلي للبلدان الإسلامية وعموم البلدان الصغيرة، رأينا ورأيتم أو قرئنا في التاريخ الصحيح أن أيّاً من الحكومات المتسلطة على البلدان لا تفكر بحرية واستقلال ورفاهية شعوبها، بل إن غالبيتها شبه المطلقة، إما أن تكون قد بادرت بنفسها لممارسة الظلم والقمع بحق شعوبها من أجل مصالحها الشخصية والفئوية أو من أجل رفاهية فئة المترفين والأعيان، فيما كانت الفئات المظلومة وسكنة الأكواخ محرومة من كل هبات الحياة، وإما أن تكون تلك الحكومات قد نصبتها القوى الكبرى لتجند كل طاقاتها من أجل ربط البلدان والشعوب بها، وتحويل البلدان بمكائد شتى إلى أسواق للشرق والغرب وجعل الشعوب متخلفة استهلاكية فأمّنوا بذلك مصالحهم وما زالت تلك الحكومات تتحرك وفق هذا المخطط). وعليك أخي المؤمن أن لا تطمئن إلى العدو وإن أبدى لك المقاربة وإن بسط لك وجهه، وخفض لك جناحه، فإنه يتربص بك الدوائر، ويضمر لك الغوائل، ولا يرتجي صلاحاً إلا في فسادك ولا رفعة إلا بسقوط جاهك. ولقد كان من أهم مكاسب الثورة الإيرانية ظهور خط سياسي جديد، يعبر عن المواقف الاستراتيجية السياسية والجهادية للمسلمين، ويرتبط بأصوله الفكرية والإيمانية وذلك هو خط الإمام(قدس سره)، ولا شك أن ظهور خط الإمام الذي هو خط الإسلام والحق والهدى، حيث العزة والكرامة حدث سياسي هام يستحق دراسات واسعة وتحقيقات كثيرة، فلأول مرة في العصر الحاضر يكون للجهاد السياسي الإسلامي خط محدد المعالم، وواضح الإتجاه. يقول الإمام(قدس سره): (ثقوا أن قوى الشرق والغرب، إنما هي تلك المظاهر الفارغة للدنيا المادية التي ليست شيئاً أمام عالم الخلود السرمدي لعالم القيم المعنوية، إنني أعلنها بصراحة: أنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية تؤسس وتعمل بكل وجودها لإحياء الشخصية الإسلامية لمسلمي العالم كله، ولا ترى سبباً لأن تمتنع عن دعوة مسلمي الدنيا إلى تأييد مبدأ امتلاك السلطة في العالم). يقول الإمام (قدس سره): (إنّ ألطاف الإمداد الغيبي الإلهي هي التي أوصلت هذه الثورة الكبرى إلى النصر، فقطعت أيدي ناهبي العالم والظالمين عن إيران العظيمة، ولولا يد القدرة الإلهية لما كان ممكنا أن ينجز شيئاً، شعب الستة والثلاثين مليوناً في ظل كل تلك الدعاية المعادية للإسلام وعلمائه، خاصة في القرن الأخير، وفي ظل كل جهود التفرقة التي كان يمارسها الكتاب والخطباء عبر الصحافة ومجالس الخطابة والمحافل الإسلامية واللاوطنية، ومع كل أولئك الشعراء والهجائين، وكل مراكز الفساد تلك ومراكز القمار والفحشاء والمسكرات والمخدرات). ولأول مرة في التاريخ السياسي المعاصر يبرز الخط الإسلامي الأصيل على الساحة السياسية الدولية، إزاء الخطين (اليمين واليسار) وما بينهما من الخطوط والإتجاهات، ويبرز الخط الإسلامي باتجاهه النزيه والمستقيم في وقت استنفذ فيه (الخط اليمني والخط اليساري) قدرتهما على البقاء، ولم يعد لهما ذلك البريق الخاطف الذي كان يغلفهما أول الأمر، ولأن هذه الخطوط والأفكار الدخيلة لم تعد تحمل مقومات البقاء وأثبتت دائماً فشلها على الساحة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية في حياتنا، ولقد شاء الله تعالى أن يبرز الخط الإسلامي على الساحة السياسية في وقت هزيمة الخطوط الفكرية والسياسية الأخرى. يقول الإمام(قدس سره): (أيها المتأثرون بالغرب، أيها المغترون بالأجانب، أيها الفاقدون الألباب، راجعوا أنفسكم، لا تجعلوا صبغة الغرب تستولي على كل ما لديكم لاحظوا الأشياء التي في الغرب، الأشياء الجيدة التي في الغرب، لاحظوا جمعية حقوق الإنسان الموجودة في الغرب، أنظروا إلى هؤلاء الأشخاص الموجودين هناك وما هي الأهداف التي يرمون إليها، هل يطالبون بحقوق الإنسان ويجعلونها نصب أعينهم، أم أنهم يريدون حقوق القوى العظمى؟ إنهم يتبعون القوى العظمى ويريدون تحقيق أهداف هذه القوى). الثورة الإسلامية في إيران، كانت ثورة مباركة بالمعنى الدقيق والواسع للكلمة، فقد كسبت هذه الثورة الدعاة إلى الله تعالى بفيض من العطاء والتجارب الخصبة والدروس والعبر والأفكار والمفاهيم، وإذا كان البعض يعتقد أن السياسة في العالم تدور في محور القوتين العظمتين وأحلافهما وشبكاتهما التجسسية وقواتهما العسكرية، وقدراتهما الاقتصادية والسياسية، فإذا اتفقنا على هذا، فالويل للعالم الثالث منهما وإذا اختلفنا فالويل للبشرية، وأما العالم الثالث كما يحلو لهم أن يسموه فلا قيمة له في المعادلات السياسية، ولا يشكل قوة واعتباراً، وليس للإيمان بالله تعالى وقدرته وعظمته شأن في هذا العالم، فهو عزوجل القوي المتعال، ولكن السياسة لها شأنها الخاص ومعادلاتها الخاصة ولا دخل لهذه العقيدة في المعادلات السياسية، هذه هي الحقيقة المرة بكل مرارتها وقسوتها، ولكن كيف أصبحنا نفهم الأمور هكذا؟. بكل بساطة تعلمنا السياسة في مدرسة الإستعمار، وأخذنا نفهم السياسة ونناقشها ونحلل ونفسر الأحداث السياسية وأحياناً فيما بيننا نحن المسلمين، وفي مجالسنا الخاصة بهذه الذهنية، وهذه المدرسة السياسية التي أثرت في نفوسنا وفي فهمنا للسياسة من حيث لا نشعر مدرسة يهودية قديمة ومعروفة، قال الله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وتحولت هذه العقيدة اليهودية القديمة إلى أساس علماني في فهم السياسة، وتحليلها ومناقشتها، وترقب النتائج السياسية والتنبوء بها، ثم تسلل هذا المفهوم العلماني اليهودي إلى مجتمعنا الإسلامي وأصبحنا نتعامل معه كحقيقة ثابتة لا نقاش فيها، ومن الشواهد على ذلك الأحداث التي سبقت الثورة الإسلامية في إيران. يقول الشيخ (محمد مهدي الآصفي): (لقد كنت أتوخى أن أفهم رأي المثقفين الواعين من المسلمين في خضم الأحداث، فلم أجد إلا قلة قليلة كانت واثقة بالنصر، وأكثر من رأيت من المثقفين كانوا يرون أن الورقة الرابحة لأمريكا على كل حال وأن نتائج هذه الحركة لا تتخطى سقوط وزارة وقيام أخرى). وإنّ هذه الثورة لا يمكن أن تتجاوز حدود الوفاق الدولي القائم بشأن إيران، وأن أمريكا لن تتخلى عن إيران وعن النظام الملكي، وأن القضية لا تتجاوز محاولة أمريكية لتأديب الشاه وتحجيم سلطانه، وأن رأس الحبل بيد اليسار، والمؤمنون هم الضحايا، وأن مراجع الدين ينقصهم الوعي السياسي وقضيتهم خاسرة بالتأكيد وأن ثورة الشارع لا يمكن أن تزعزع أركان النظام الشاهنشاهي العتيد، وأن هناك لعبة خفية تكشفها الأيام فيما بعد، وأن أمريكا لا يمكن أن تسكت عن آبار النفط وقواعدها العسكرية الضخمة في إيران، وأن روسيا لا يمكن أن تسكت عن الغاز ومصالحها في إيران، وأن… وأن… وأن.. ، وهذا كله صحيح على اختلاف مذاهب الناس في السياسة، لو كان الأساس لفهم السياسة (يد الله مغلولة)، أما عندما ننطلق من منطلق (بل يداه مبسوطتان) فإن الأمر يختلف تماماً، ويتضاءل دورها وقيمتها، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. لقد وعد الله تعالى المؤمنين بالنصر، وأنه تعالى لن يتخلى عنهم في صراعهم مع الباطل، وأن قوة الباطل وسلطانه لن تؤثر في نتيجة المعركة بحال من الأحوال، ولن تحول دون نصر الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. ولقد جاء النصر، والحمد لله، في رقعة مباركة من رقاع العالم الإسلامي العريض، وحقق الله وعده، وله الحمد ملء السموات والأرض، جاء النصر في هذه الرقعة الإسلامية بعد مخاض قاس وشديد، ثبت فيها أناس مؤمنين بالله وبرسوله، وتساقط فيها آخرون خونة، ونستغفر الله، ولسوف يتوالى النصر إنشاء الله، متلاحقاً مباركاً، متوالياً فقد انتهت فترة الظلمة وانقطع نفس الإستكبار العالمي (الاستعمار والشيطان) وثبت أن نفس المؤمنين في المعركة أقوى وأطول من نفس الكافرين ذلك أن ﴿اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إلى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقول الإمام (قدس سره): (نحن لا نخشى أن يتكلموا في الغرب ضدنا، وأن يعترض علينا الذين يدعون أنهم يراعون حقوق الإنسان، يجب أن نعاملهم على ميزان العدل وسوف نفهمهم ما معنى الديمقراطية، فالديمقراطية الغربية فاسدة والديمقراطية الشرقية فاسدة أيضاً، والديمقراطية الصحيحة هي الديمقراطية الإسلامية، وإذا وفقنا فسوف نثبت للشرق والغرب بعدئذ، إن ديمقراطيتنا هي الديمقراطية، لا الديمقراطية التي عندهم، والتي تدافع عن الرأسماليين الكبار والتي عند أولئك المدافعين عن القوى الكبرى، وقد جعلوا الناس كلهم في كبت شديد. يقول الإمام الخميني (قدس سره) في وصيته السياسية الإلهية: (وصيتي إلى شعوب البلدان الإسلامية، أن لا تنتظروا أن يأتيكم أحد من الخارج ليعينكم على الوصول إلى الهدف، وهو الإسلام وتطبيق أحكامه، يجب عليكم أن تنتفضوا من أجل هذا الهدف الذي يحقق الاستقلال والحرية وليدع العلماء الأعلام والخطباء الموقرون في البلدان الإسلامية، الحكومات إلى التحرر من التبعية للقوى الأجنبية الكبرى، وإلى التفاهم مع شعوبها فبذلك سيكون النصر حليفها، وأن يدعوا أبناء الشعوب كذلك إلى الوحدة ونبذ القومية العنصرية، فهي خلاف المبادئ الإسلامية، وأن يمدوا يد الأخوة إلى أخوتهم في الإيمان في أي بلد أو جنس كانوا، فالإسلام عملية بهمة الحكومات والشعوب وتأييد الله سبحانه وتعالى، فسترون أن المسلمين يشكلون أكبر قوة في العالم، نأمل أن يأتي ذلك اليوم الذي تتحقق فيه هذه الأخوة والمساواة بمشيئة الله تعالى). إنّ سقوط النظام الإمبراطوري الرجعي في إيران في الثاني عشر من شهر شباط 1979 ليس مجرد نهاية طبيعية لمرحلة طويلة من النضال البطولي والجهاد الكفاحي الذي خاضه الشعب الإيراني المجاهد في سبيل إعلاء راية لا إله إلا الله، وقواه الوطنية من أجل تحرير إيران المسلمة من الاستبداد السياسي والقهر الاجتماعي والفساد الاقتصادي والتبعية الأجنبية للدول الرأسمالية المستكبرة، وإنما هو بمثابة سقوط ذريع لمرحلة طويلة التآمر الإمبريالي على شعوب المنطقة بأسرها، فانتصار الثورة الإسلامية في إيران ليس مجرد حدث محلي عابر، بل هو نقطة انعطاف حاسمة في تاريخ العالم الإسلامي، وبالتالي فإن تقييم أهمية هذا الحدث لا يمكن أن يقاس بحجم التغيير الذي يفتحه أمام تطور (إيران) على مختلف الأصعدة، وإنما يقاس بآفاق التغيير التي يفتحها أمام المنطقة وذلك لأن طبيعة العلاقات التاريخية التي تعززت في ظل الحضارة العربية الإسلامية، قد أوجدت نوعاً من الترابط بين مصالح الأمة العربية والأمة الفارسية، وقد ساهم هذا التفاعل بين شعوب المنطقة على دفع الحضارة الإنسانية خطوات واسعة إلى الأمام خلال مرحلة تاريخية امتدت عدة قرون.. وقد عمل الاستعمار والاستكبار العالمي بشرقه وغربه على فك هذا التحالف الإسلامي القائم تاريخياً بين الأمة العربية والأمة الفارسية من خلال استثارة الحرب التي أشعلها النظام الفاشي في بغداد ضد الثورة الإسلامية الإيرانية المجاهدة على طريق إعلاء كلمة الحق والهدى ولا إله إلا الله. يقول الإمام (قدس سره): (إني أطلب من الحكومات أن يطهروا البقية الباقية من النظام الطاغوتي الشاهنشاهي التي امتدت جذورها في جميع شؤون البلاد وذلك بالاستقلال والعزم والفكر دون خشية من الغرب والشرق والدوائر من النمط الغربي والصبغة الغربية إلى النمط الإسلامي، ويظهروا للعالم العدالة الاجتماعية والاستقلال الثقافي والاقتصادي والسياسي الإسلامي). ولم يعد بمقدور الإستكبار الأمريكي أن يسخر إمكانات الشعب الإيراني المجاهد للتلويح باستخدام القوة العسكرية من أجل ضمان مصالح الشركات الإحتكارية على النفط أو التدخل لضرب هذه القوة المستضعفة أو تلك. يقول الإمام (قدس سره): (لا شك أن مجالس أمريكا تديننا، ومجالس بريطانيا تحكم ضدنا ومجالس الإتحاد السوفيتي تعترض علينا، نحن محكومون من قبل هذه الطبقات، هذا الأمر الذي نفذ في إيران، يجعل جميع الطبقات الظالمة والمستكبرة تخالفه، نحن لا نتوقع من أمريكا ومن سائر الدول والقوى العظمى والذين يريدون نهب ثرواتنا، وقد قطعنا أيديهم أن يشكروننا، وبالطبع فلا يجب عليهم الشكر بل عليهم أن يظهروا أسفاً كثيراً) ويتابع (رحمه الله): (دعوا الإسلام يتحقق، دعوا الجمهورية الإسلامية تتحقق مع أحكام الإسلام النيرة، لا تدعوا مجالاً للذين يريدون أن تبقى صناعتنا متأخرة، ولا يريدون أن تتحقق زراعتنا وتتحرك مصانعنا، لا تدعوهم يغفلوكم، إنهم يريدون إغفالكم حتى ينهبون ثرواتكم ويسرقوا ثروات هذا البلد أو يسمحوا للأجانب (شرقيين أو غربيين) بسرقة ثرواتنا، يجب عليكم أن تمنعوا ذلك). والشعارات التي طرحها الإمام(قدس سره)، في مجال معاداة الصهيونية والتأييد المطلق للحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني يشكل البداية العملية لتغيير دور إيران في الصراع الإسلامي اليهودي، بصورة جذرية. يقول الإمام (قدس سره): (يجب أن نعلن لجميع القوى الكبرى أن يرفعوا أيديهم عن المستضعفين ويلزموا أماكنهم، أن (إسرائيل) عدوة البشرية وعدوة الإنسان وفي كل يوم تخلق فاجعة وتحرق إخواننا في جنوب لبنان). وعن العلاقة مع الاستكبار الأمريكي، يضع الإمام(قدس سره) النقاط على الحروف عندما يقول: (إنّ علاقتنا مع أمريكا علاقة المظلوم مع الظالم، علاقة المنهوب مع الناهب ماذا نستفيد منها، أنهم يبتغون هذه العلاقات، أنهم يحتاجون لهذه العلاقات، ولكن ماذا نحتاج نحن من أمريكا، أمريكا في آخر العالم، إنهم يحبون أن تكون لهم أسواقنا، ويطمعون أن تكون لهم أسواقنا ويطمعون أن تكون لهم مصادر نفطنا وأما نحن فمسلمون والإسلام لا يظلم أحداً، ولا يقبل الظلم). ولقد كان الموقف العربي السوري واضحاً جداً من الثورة الإيرانية المباركة، وقد تجلى ذلك في البرقية التي أرسلها الرئيس حافظ الأسد إلى الإمام رحمه الله وجاء فيها: (لقد أسعدنا انتصار الثورة الإيرانية ويسرني وقد تحقق هذا الإنتصار أن أبعث باسم الشعب العربي السوري وباسمي أصدق التهاني لكم ولشعب إيران المكافح الذي تربطنا به أوثق الروابط. لقد تابع شعبنا بكل الإهتمام مراحل النضال الذي خاضه الشعب الإيراني بقيادتكم الحكيمة وقدم خلاله تضحيات جسيمة انتصاراً للمبادئ التي يؤمن بها وتحقيقاً لاستعادة موقعه الطبيعي الذي أبعده عنه الحكم السابق، عندما وضع ذلك الحكم شعب إيران في خندق غير الخندق الذي تقف فيه الشعوب الإسلامية، وخاصة تلك التي تواجه الإحتلال والعدوان وتناضل ضدهما، إننا نؤكد تأييدنا ودعماً للنظام الجديد الذي انبثق من الثورة في إيران والذي قام في هدي من مبادئ الإسلام العظيم، وكان في قيامه تحقيق لمصلحة الشعب الإيراني العليا ومصلحة العرب والمسلمين). لقد دخلت هذه الثورة المباركة عصراً جديداً فاعلاً ومؤثراً على درجة كبيرة جداً في الساحة الإسلامية السياسية، وغيرت كثيراً من الثوابت والحسابات والمعادلات في المنطقة والعالم لصالح الإسلام ولصالح الخير والمحبة والسلام وأصبح المستحيل ممكناً والممكن مستحيلاً، فليس من شك أنها كانت شيئاً أكبر من الطموح بقيادة شيخ من ذرية الرسول الكريم(ص) تذكرنا قسمات وجهه (قدس سره) بأصحاب الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وآله الذين حملوا هم الرسالة بعزم وتصميم وإيمان ويقين بوعد الله بعودة الإسلام إلى ساحة الحياة الدولية المعاصرة وتفجير الأرض تحت عروش الظلمة والكافرين، وإقامة دولة الإسلام المباركة في الأرض بعد أمد طويل. فقد استطاعت الثورة الإسلامية الإيرانية أن تمر بذكاء من خلال مضيق التنافس السياسي بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية دون أن تنزاح إلى هذه الكتلة أو تلك، ولقد سبق لي أن كتبت في إحدى الصحف أبان بزوغ فجر الثورة( إننا نعلم جيداً أن القوى الإستكبارية لم تترك الثورة تتقدم وتتوسع على حساب مصالحها، من دون مشاكل ومتاعب، وأنها تستعمل كل الوسائل الممكنة للحيلولة دون تقدم الثورة وتوسعها، ولكن الله مع الثورة ورسوله والمؤمنين ولسوف ينتصر الحق على الباطل ويطل الخير على أمتنا الإسلامية من خلف حجاب الظلم والقهر). يقول الإمام (قدس سره): (إنّ القوى العظمى لا تريد أن تتحد الشعوب الإسلامية وتخشى أن يجتمع شمل المليار مسلم في المجتمع الإسلامي وتخشى أن يكون كل هؤلاء تحت لواء الإسلام، ومن أجل ذلك، انقضت علينا من كل صوب، فمن الهجوم العسكري إلى مؤامرة الانقلاب، وأخيراً التهاجم العسكري على يد شخص عميل يدعى (صدام حسين)، ويقول(قدس سره): (إننا دفعنا ثمن هذه الثورة غالياً، فلا يجب أن نتركها عرضة للأطماع والألعاب السياسية وحفنة من السياسيين المحترفين في اللعبة الدولية)، فالكتلة الشرقية كاملة تشهد بارتياح انفلات إيران من قبضة الغرب، من دون أن يكلف الإتحاد السوفيتي شيئاً، وكانت تراقب عن كثب هذه الثورة العارمة التي أسقطت وصادرت كل الوجود الأمريكي في المنطقة، وبذلك فقد حققت الثورة الإسلامية هدفاً مهماً لها كما يرى مراقبوها والمحللون السياسيون التابعون لها، وكان السياسيون السوفيات يعتقدون في نفس الوقت أن إيران إذا خرجت من قبضة السياسة الأمريكية فسول لن تجد بدا من الالتحاق بدائرة النفوذ السوفيتي، وسوف يكون الاستكبار الشرقي هو البديل الطبيعي الذي يحل محل الاستكبار الغربي الأمريكي فيها، وما زلت أحفظ في ذاكرتي ما قرأته في أحد الصحف: (لقد كان من الواضح جداً أن الدوائر السياسية في الإتحاد السوفيتي لم تكن تفهم الطبيعة المستقلة للثورة الإسلامية، وكانت تفهم هذه الثورة كسائر المؤامرات العسكرية التي تجري في المنطقة ـ خروج من دائرة نفوذ إحدى الكتلتين وانضمام إلى دائرة الكتلة الأخرى)… وكانت السياسة الأمريكية في نفس الوقت تعمل على أن لا تدفع إيران الثورة نحو الإتحاد السوفيتي، وأن لا تنقطع آخر الجسور والخيوط التي تربطها بالنظام الجديد، وقد بقي الإحساس من جانب أمريكا بضرورة التمسك والمحافظة بما تبقى من العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية، وكانت أمريكا إنطلاقاً من وجهة النظر هذه، تحاول أن تتلافى أية مواجهة جدية بينها وبين حكومة الثورة، ومن بين هذه التصورات والتقديرات السياسية السوفياتية والأمريكية استطاعت الثورة الإيرانية بحول الله أن تمر بسلام، وكان الإمام (قدس سره) يقدر هذه الظروف السياسية بدقة ويردد: (لن يستطيع أحد أبداً أن يتجاوز حدوده). يقول (قدس سره): (إن نزع البلدان المستعمرة عن هويتها وتغربها وتشرقها هو من المخططات التي كان لها (مع الأسف) تأثير بالغ على البلدان، وعلى بلدنا العزيز، ولا تزال نسبة كبيرة من آثارها باقية حتى عادت هذه البلدان لا تثق بنفسها وثقافتها وقوتها، وترى في القطبين القويين الغرب والشرق العنصر الأفضل وأن ثقافتهما هي الأسمى وأنهما قبلتا العالم)، كما أن الله تعالى حمى هذه الثورة من قوى الاستكبار العالمي بموقعها الخاص في قلب المنطقة التي تختزن أكبر كمية من احتياطي النفط في العالم، وهذا الرأي يوضح لنا قلق الدول الكبرى والأنظمة الرجعية في المنطقة من استمرار الحرب التي فرضها النظام الفاشي العراقي على الثورة الإيرانية، لأن الله عز وجل مع الثورة المباركة ولأن قادة هذه الثورة هم مع الله تعالى، وهو الذي نصرهم وأيد خطواتهم على كل أشكال الاستكبار والاستعمار، فلا شك أن أمريكا أعطت الضوء الأخضر للنظام الفاشي العراقي في إشعال نيران الحرب، ولكن نسيت أمريكا أن من الحماقة أن تعرض هذه المنطقة للهيب الحرب وتشعل فيها نيران الهمجية المجنونة لأن أصابع العابثين فيها هي أولى الأصابع التي احترقت في هذه الحرب، يقول الإمام(قدس سره): (إنني أواجه اليوم وجوها بريئة أيتمتها وشردتها جرائم القوى الكبرى على أيدي عملائها، الإدعاءات اليوم كثيرة، الكل يدعي الإسلام، حكام الدول الإسلامية كلهم يدعون الإسلام، والحكام في جميع أقطار العالم يدعون حبهم للبشرية وتأييدهم لحقوق الإنسان مثل هذه الإدعاءات ليست حديثة العهد، ففي صدر الإسلام أيضاً كانت الإدعاءات كثيرة ولكن عند الامتحان تباينت أعمالهم عن ادعاءاتهم، فالخوارج أيضاً كانوا يدعون الإسلام وأمثال عمر بن العاص أيضاً ادعوا الإسلام، واليوم يدعي صدام حسين التمسك بالإسلام وحب العروبة، وكذلك الخونة من أمثاله لهم نفس الإدعاء، إلا أنه عند مراقبتهم ومراقبتنا لأعمالهم، نرى فواصل بعيدة بين أعمال هؤلاء الخونة وأقوالهم)، ويقول في موقع آخر: (إنّ الأمة إنما ضحت في هذه الثورة بأفلاذ أكبادها وأعزائها من أجل الإسلام وليس من أجل النفط بينما رجال الإستكبار الدولي يريدون النفط ولا يريدون أن يعلو صوت الإسلام). ولاشك أن أمريكا وباقي الدول الاستكبارية من شرقية وغربية يرون في الثورة الإسلامية الإيرانية خطراً على كيانهما الشرقي والغربي، ومصالحها في المنطقة وعلى ثبات المنطقة السياسي أكثر من أي خطر آخر) لأن كلا الكتلتين، لا يخافان من التوسع الهائل في صنع ونصب الأسلحة الاستراتيجية الذرية الذي يقوم به الطرف الآخر، بقدر ما يخافان من انطلاق الإنسان المسلم في المنطقة الإسلامية من قيود الوهم والتبعية والذيلية لأن الأسلحة الاستراتيجية يمكن السيطرة عليها، ولكن الإنسان المسلم إذا انفلت من عقاله، وتحرر من قيوده، فلا يمكن السيطرة عليه بحال من الأحوال، فمن المعروف لدينا أن حدة الصراع بين الإيديولوجيتين الشرقية والغربية تتزايد يوماً بعد يوم، فالولايات المتحدة تسعى بكل الأشكال والصور لان تركز في استراتيجيتها في المنطقة على إطالة زمن نهبها لخيراتنا وتوسيع نفوذها العسكري وتمكين الدولة اليهودية العنصرية كي تبقى رأس الحربة، تطعن الجسد المسلم وتعيق أي نزوع تحرري إسلامي في المنطقة. إنّ الإستكبار العالمي بجناحيه الشرقي والغربي يدرك جيداً هذه الحقيقة ويدرك أيضاً أن الثورة الإيرانية بعواملها الحضارية التي احتضنت الشعب الإيراني بكل مقوماته وقومياته الفارسية والعربية والتركية والكردية والبلوشية ليست كغيرها من الأحداث في تاريخنا المعاصر، وأنها تشكل منعطفاً تاريخياً حساساً في حياة العالم كله، يقول الإمام(قدس سره): (لا يوجد في الإسلام وطني وأجنبي، الكل مسلمون والكل متساوون، هذا يسكن تلك المنطقة وذاك هذه المدينة، لا فرق في ذلك، إنني أتمنى أن يتحقق الإسلام كما يريده الإسلام، وإذ ذاك تزول هذه الأقوال ونخجل وقتئذ من قولنا (الفرس) ويخجل الآخرون من قول (أتراك) ألسنا جميعاً مسلمين؟ ألسنا أهل بلد واحد؟ ألسنا إخوانا؟ لا يجوز للأخ أن يقول أنا وطني وأنت يا أخي أجنبي). ومرة أخرى تخطئ أمريكا في تقديرها لقوة الانفجار الثوري الإسلامي في إيران، واستمراريته كما أخطأت في التنبوء بحدوث الثورة ووقوعها، إن أمريكا حاولت أن تتصدى للثورة وتستوعبها وتحرفها، ومدت لذلك أذرعها وحبالها ورجالها إلى وسط تيار الثورة، فكان نصيبها صفعة قوية إذ احتل الرجال المؤمنون السفارة الأمريكية، وفضحوا أسرار شبكاتها التجسسية، وقطعوا آخر خيوط الصلة مع الاستكبار التجسسي العميل، وقال الإمام (رحمه الله): (وماذا نصنع بالصلة مع أمريكا؟ إن أمريكا عدوة لنا، وأمتنا تتخذ اليوم الذي قطعنا فيه أمريكا عيداً لها) ولكن الحديث عن العلاقات السياسية، ليس المقصود منه العلاقات بين الأفراد بقدر ما يعني العلاقات مع حكومات الاستكبار الدولية هكذا كان يرى الإمام(قدس سره) وهكذا كانت صورة الحقيقة والحق والرحمن. يقول الإمام (قدس سره): (وإذا كنتم تتوقعون أن تتغير الأمور جميعاً بين عشية وضحاها إلى ما يطابق الإسلام وأحكام الله تعالى، فهذا خطأ ولم تقع معجزة كهذه على مدى التاريخ الإنساني ولن تقع). ويقول أيضاً: (إن الشعوب الشرقية الذين توجهوا نحو الغرب بواسطة دعايات عملاء الأجانب في الداخل والخارج، وجعلوا الغرب قبلة أمالهم وفقدوا أنفسهم، ونسوا مفاخرهم واتخذوا بدلاً منها عقلاً غربياً، هؤلاء أولياؤهم الطاغوت وقد وردوا من النور إلى الظلمات). نعود لنؤكد بأن الإمام (قدس سره) لم يمانع من إقامة العلاقات بين الدول ولكنه نهى فقط عن إقامة علاقات مع إسرائيل وجنوب أفريقيا، وأمريكا حيث كان يقول: (لا ضرر من إقامة العلاقات مع الدول بشرط أن لا تتعدى حدها المعقول لأن العلاقات التي تؤدي إلى استعمار البلاد وإذلال الشعوب يرفضها العقل والشرع المقدس، وأريد أن أشير هنا إلى نقطة مهمة وهي أن سماحة الإمام (قدس سره)، جرد بمواقفه تلك المستعمرين من سلاح قديم كانوا يلجأون إليه دوماً وهو الإرهاب وتهديد الناس، وحثهم على تحطيم جدران الخوف والرعب وتحدي المستحيل، وذلك بالثقة المطلقة بالله عز وجل والاعتماد على الأمة والصدق في التعامل والاستقلال واعتماد سياسة اللاشرقية واللاغربية، واعتماد الأصالة الإسلامية في التفكير والخط السليم، وعدم الركون إلى الفكر الإستكباري الغربي أو الشرقي والاتجاهات الدخيلة بينهما والاكتفاء الذاتي في المجال الاقتصادي والاعتماد على النفس في الإنتاج واعتماد التقوى في المسؤولية، يقول (قدس سره): (المهم أن تتحرر أفكاركم وعلمتم أننا نستطيع أن نكون صناعيين، فسوف نكون كذلك، وإن كانت أفكاركم وإيمانكم أننا نقدر أن نكون مستقلين ودون التبعية للغير، فتقدرون على ذلك, إذا آمن الفلاحون بقدرتهم على التقدم في الزراعة حتى نتمكن من التصدير، وعدم التبعية للغير، بل الغير يحتاج إلينا، فإننا نتمكن من ذلك). وتوجيه الناس إلى ذكر الله والعلاقة بالله عز وجل واكتساح الحدود الإقليمية والجغرافية التي رسمها الاستكبار العالمي، هذه الفترة لتمزيق شمل المسلمين وتعميق حالة العداء والنفور والسخط تجاه قوى الاستكبار العالمي وخاصة أمريكا، وتزكية وتنمية العواطف والأحاسيس الإسلامية إلى جانب الوعي والتعقل السياسي والفكري والترغيب في الشهادة والتذكير بقيمة الشهيد/ أكرم من في الدنيا وأنبل بني البشر. يقول (قدس سره): (من الأخطاء الكبيرة للسيد (كارتر) وأمثاله أنهم لم يعرفوا عمق الثورة الإسلامية المعاصرة للجيل الحاضر، إنهم ينظرون إلى الثورات المعاصرة والشعوب المتحررة من قيود الإسارة الروحية بأفكار المقتدرين الجنونية وأمراض المستكبرين النفسية). ويضيف (رحمه الله): (وهكذا على القوى العظمى وجميع المستكبرين أن يفهموا أنفسهم ويعثر كل على ضالته، فعلى هؤلاء أن يخرجوا من أسر دعايات الأبواق الشيطانية ويدركوا قدرتهم الإلهية العامة، وعلى هؤلاء أن يدركوا حقارتهم الواقعية أمام الشعوب الثائرة، وذلك حتى يأمن العالم، وتنقطع أيدي الظالمين من الجرائم). بهذه الأفكار النبيلة كان يخاطب الإمام الراحل الباقي أبدا الناس، وبهذه العقلية النيرة كان يفهم الأمور ويسير بالأمة نحو أهدافها وتطلعاتها. يقول (رحمه الله): (لا يوجد خلاف بيننا وبين الشعب الأمريكي أبدا، ولا عداء بيننا وبين الشعوب، ولتتفاهم الحكومات مع الشعوب ومعنا، ولا تكون العلاقات على أساس أن يجلس شخص في القصر الأبيض ويأمرني لأن أعيش في الكوخ، وأن يكون هو الحاكم وأنا المحكوم، فإذا فهمونا وأدركوا نوعية العلاقة التي نريدها فنرتبط إذ ذاك مع الحكومة الأمريكية أيضاً، وأما إذا أرادت أمريكا أن تستخدمنا ونحن نقدم لها كل شيء فنحن لا نحتاج إلى هذا النوع من العلاقات أبداً). ولقد كان من أهم واجبات الثورة الإسلامية الإيرانية الإخلال فيما تسميه قوى الاستكبار العالمي بالاستقرار السياسي في المنطقة وتشويش الأجواء السياسية على الخونة والاستكبار العالمي وامتداداته في المنطقة الإسلامية, الآن الاستكبار العالمي يصطلح على استقرار مصالحه السياسية بـ(الاستقرار السياسي)، وهذا الاستقرار في الحقيقة هو نوع لاستقرار مصالح الاستكبار العالمي واستقرار لامتداداته وعملائه واستقرار للاستمرار في النهب والسرقة وسياسة التركيع والتخويف والتجويع والاستعباد، وكان دائماً يقول(قدس سره): (دافعوا عن كرامتكم الإسلامية والوطنية وصدوا أعدائكم المتمثلين في أمريكا والصهيونية العالمية والقوى الكبرى سواء الشرقية منها أو الغربية، دونما خوف أو وجل ودون ملاحظة بعض الشعوب والدول الإسلامية، واكشفوا عن الظلم الذي يمارسه أعداء الإسلام). وأضاف (رحمه الله): (إنكم تعرفون أن القوى الكبرى الشرقية والغربية تنهب جميع ثرواتنا المادية والمعنوية، وقد جعلونا في حالة فقر وحاجة سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية، عودوا إلى أنفسكم واسترجعوا شخصيتكم الإسلامية ولا تخضعوا للظلم وافضحوا بكل حذر المؤامرات المشؤومة للناهبين الدوليين وعلى رأسهم أمريكا). فالإنسان هو منشأ جميع الهزائم والانتصارات على جعل الشعوب المستضعفة تعتقد أنها عاجزة حقاً وغير قادرة على أي شيء وذلك عن طريق الدعايات المستمرة وعليها أن تستجدي الدول الكبرى في الشرق والغرب في كافة المجالات وكل شعب عزم على أمر وأعتقد أنه يستطيع إنجازه، فإنه سيتحقق حتماً فالأساس هو الثقة بالنفس وهي على قسمين: إما الإحساس بالضعف والخمول والعجز وإما الثقة بالقدرة والقوة والاستطاعة، فلو آمن الشعب بقدرته على الصمود بوجه قوى الاستكبار والاستعباد، فسيجد نفسه منتصراً عليها بإذن الله. وهكذا نجد أنه ولأول مرة تستطيع الثورة الإسلامية أن ترفع في وجه القوتين الكبيرتين شعار (لا شرقية ولا غربية) وتمارس العمل السياسي بموجب هذا الشعار وتتخلص من دوائر النفوذ الأجنبية بصورة حقيقية…

المصدر : دار الولاية والثقافة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى