مقالات

المعرفة الدينية: “مقاربات في فلسفة الدين”

نَّ طريقَ البشرية مرسوم بهدف معين هو المعرفة التي تجد نور طريقها بالتفكير الذي يدفع البشر إلى ذلك الفضول، فالمعرفة – كما تصورها الكهف الأفلاطوني – هي ذلك النور الخافت الذي يبدو في آخر الكهف المظلم، والذي يبزغ شيئًا فشيئًا كلما اقترب البشر منه، وكلما ازداد نوره تبدو الطريق التي يسير عليها البشر نحو ذلك النور أوضح وأطول، وليجدوا أجوبةَ الأسئلة الجوهرية يتكبد الإنسان معاناة التيه فيها منذ بداياته الأولى، ويستعمره خوف شديد في أن يفنى دونها. فالمعرفة هي سبب الإنسان وغايته. فضلاً عن أنّها أكثر ما يجعل الإنسان يتشبث بالحياة ويخشى الموت، فالمعرفة تجعل الإنسان السوي متيمًا بها، وكلما عرف الإنسان أكثر ازداد شوقه ليعرف المزيد، وكلما وصل إلى شيء من المعرفة تحرك فيه فضول أكبر، فلا حدود للمعرفة وحتى خيال الإنسان الفنان والمفكر لا يمكنه أن يتصور حدًّا لها.

والمعرفة الدينية أحد أشكال نظرية المعرفة التي كانت بدايتها مع كانط يوم أحدث التحول الأكبر بتغييره المسار الفلسفي من البحث في الوجود إلى البحث في المعرفة، حيث يجد العارف والمعرفة، فكان (افتتاح حقل جديد للبحث هو لا “طبيعة الأشياء التي تستنفد”، بل العقل من حيث القدرة على المعرفة القبلية وحسب)([1]) وبعد أن لفت كانط الأنظار في البحوث الفلسفية إلى “المعرفة” والنظرية الإبستمولوجية للمعرفة البشرية بدلاً من الرؤية الأنطولوجية الكلاسيكية، ازداد الاهتمام بهذه الرؤية([2]) وكان هذا هو الحدث المهم الذي مهد لظهور المعرفة الدينية ووصفها، فالمفكرون والعلماء والفلاسفة لا يتوقفون عن التفكير حيث يمكن أن يكون هؤلاء وجدوا ليكونوا خريطة للكنز في يد المجتمعات فهناك من يحترمها ويتركها تقوده نحو الهدف وهناك من يطمسها ويخبئها ليقنع نفسه أنّه وصل إلى المعرفة فيبقى في حضيض البدائية فكلما تقترب المجتمعات التي تثق في مفكريها، تبقى الأخرى في بدائيتها ويخيل لها أنّها وصلت إلى قلب المعرفة وهي في الحقيقة ما زالت تراوح في مكانها([3])

وعلى المستوى المجتمعي ثَمَّ خلط جوهري بين الدين بوصفه مجموعة من القيم والمبادئ المتعالية على الأزمنة والأمكنة، وبين أنماط التدين، وهي مجموع الجهود التي يبذلها الإنسان فردًا وجماعة لتجسيد قيم الدين العليا.. فكل محاولة إنسانية لتجسيد قيم الدين أو الالتزام العملي بها، تتحول هذه المحاولة الإنسانية إلى نمط من أنماط التدين، وقد يقترب هذا النمط من معايير الدين العليا وقد يبتعد. وقد تكون أنماط التدين منسجمة ومقتضيات قيم الدين أو قد تكون متباعدة أو مفارقة لها، وإنّ نقد أنماط التدين ليس نقداً للدين، وإنّ الوقوف ضد بعض أشكال التدين، ليس وقوفاً في مقابل الدين. وإنّ حرصنا على الدين ينبغي ألا يقودنا إلى رفض عمليات النقد التي تتجه إلى أنماط التدين؛ لأنّنا نعتقد أنّ المستفيد الأول من عمليات النقد العلمي لبعض أنماط التدين هو الدين نفسه.

إنّ جوهر المشكلة يتجسد في وجود مفارقة وابتعاد بين الدين وبين التدين، والإصلاح الديني يستهدف تجسير العلاقة، وخلق التناغم بين حقائق الدين ومعطيات التدين، ولعل هذا هو أحد أهم القوانين الجوهرية التي تتحكم في سياق أي حركة إصلاحية في المجتمع الإسلامي المعاصر.([4])

وفي الواقع، إنّ قدرة اللاهوتيّين في كلّ الأديان على القيام بنقد موضوعيّ للإسكاتولوجيا تبدو حاسمة لتحديد مكانة الدين ودوره الإيجابيّ في عالم يتأثّر بتزايد بالرؤية العلمانيّة-العلميّة. ولا ريب في أنّ عدم كفاية هذا النقد يُبقي على خطر أصوليّ كامن في صميم كلّ دين، ويغذّي التيّارات الأصوليّة التي يختلط في فكرها التاريخ والإسكاتولوجيا على نحو يُفرغ التاريخ من مضمونه. فالتاريخ مؤلّف من إعادة تكوين عناصر الماضي التي لا تنضب، وقراءتها المتجدّدة في ضوء الاكتشافات وأوضاع الحاضر.

أمّا الرؤية الإسكاتولوجيّة السائدة التي تنسجها في الوقت نفسه ذكريات مقدّسة سابقة لا يتغيّر معناها وحرف النصّ الدينيّ، فتتجاهل تعقيدات التاريخ الشديدة التي تنفي كلّ قراءة غائيّة مبسّطة للأحداث حتّى تلك المؤسِّسة منها للدين. وتنفي كلَّ رؤية إسكاتولوجيّة تتجاوز حقيقة تطوّر التاريخ المرتبط بإرادة البشر والأحداث التي تنتج منها، وتُبرز بوضوح دور الوسيلة البشريّة الثقافيّة والفنيّة والتقنيّة وحدودها في نقل معرفة الماضي، بما فيها المعرفة الدينيّة، الأمر الذي يحول دون إضفاء أيّ صفة مطلقة على تلك المعرفة المنقولة. فالأصوليّة الدينيّة تنغلق على نظام فكريّ استبداديّ لا يترك مجالاً لدى الفرد في أن يحصّل المعرفة الدينيّة موضوعيًّا ويحوّلها اختباراً شخصيّاً حقيقيّاً ترافقه حريّة داخليّة تبعًا للفكر الأصوليّ الذي يُكسب الدين شكل الموروث في أبعاده العقائديّة والأخلاقيّة والإسكاتولوجيّة وهذه صفة جامدة ومطلقة. ولا عجب في أن يُفهم التاريخ فهمًا مبسّطًا إلى حدّ السذاجة، ويُقسّم الناس بسهولة بين أخيار وأشرار، وتُخلَق حالة نفسيّة تُخضع ملكة العقل وتجعل من الخوف من العقاب الإلهيّ – الآن وفي الآخرة – محرّك الحياة الروحيّة ومصدر السلوك الشخصيّ والجماعيّ.([5])

وعلى هذا الأساس فإنّ المعرفة الدينية تمثل تجديدًا للنصوص عبر تجديد القراءة والتأويل من خلال آليات المعرفة الدينية وتجاوز الاستبداد والتنميط الديني وهيمنة الأحكام المسبقة. ففي هذا المقال نحاول تأصيل الدرس الحديث والمعاصر في مجال مفهوم المعرفة الدينية.

I – القراءات الحديثة في مجال المعرفة الدينية:

من ملامح هذه المعرفة ارتباطها لدى الباحثين فيها بالتجربة الدينية مثل ما جاء به “تيرل” و”محمد إقبال”.

أمَّا تيرل فيقول: إنّ الوحي مما لا يمكن إدراكه وفهمه إلا عن طريق التجربة الدينية لدى الإنسان المؤمن، وإذا كان الوحي يظهر ويفهم على شكل تجربة دينية، والتجربة الدينية واقعة تتصل بالإنسان ذاته، إذن سيتحد الغيب والشهادة والطبيعة في التجربة الدينية، ويكون الله حاضرًا في الطبيعة إلى جانب كونه غيبًا مستورًا.

ويؤكد “تيرل” أنّ هذه التجربة الدينية التي يفهم الوحي (ارتباط روح الله بالإنسان) في إطارها، لم تكن حجر الزاوية لنبوة الأنبياء وحسب، وإنَّما هي ممكنة لجميع المؤمنين بالوحي، أساساً لإيمانهم؛ فالمؤمنون أيضاً لهم تجاربهم الخاصة في الارتباط بالروح الإلهية، وبهذا فالوحي مستمر على طول الخط، على الرغم من أنَّ ما جاء الأنبياء على أنّه وحي، يتخذ معيار صحته من الأُطروحات التي يقدمها الآخرون لتفسير تجاربهم الدينية.

ويصرح تيرل أنّ الإلهيات هي تفسير مستمر لهذه التجربة الدينية، وهذا التفسير يتقيد في كل عصر بأدوات فهم تاريخية.

فقد حاول تيرل عبر هذا الطريق معالجة إشكالية أساسية في اللاهوت المسيحي، تتلخص في أنّه بالرغم من التحولات التاريخية التي طالت الجزميات واللاهوت، والتطورات التي شهدتها الحياة الحديثة، استطاعت الكنيسة مع كل هذا الادعاء أن تحافظ دومًا على أصالة الوحي، فأراد تيرل معالجة هذه المشكلة عن طريق الاستعانة بمفهوم التجربة الدينية.([6])

أمَّا محمد إقبال: ففي باب البحث في المعرفة الدينية يظهر جهده التأسيسيّ القائم على ضرورة إعادة التفكير في مجمل النظام الإسلامي، ولكن دون أن يقطع كليًّا مع الماضي، وهذا يعني الاحتفاظ بالدين وثوابته من ناحية، ولكن في الوقت نفسه الانفتاح على المستجدات العلمية. والجمع بين الأمرين يتطلب جهدًا كبيرًا يقوم على رؤية نقدية عميقة تدرك ما هو ثابت في الدين وما هو متحرك تاريخي عرضي، أي توفر رؤية نقدية للذات وما أصابها من تحجر بفعل هيمنة الرؤية السكونية والفكر الديني السكوني، ومن ناحية ثانية هناك حاجة إلى اطلاع عميق على المنجزات العلمية والحضارية عند الآخر، دون الميل إلى التقليد الساذج بل الحوار النقدي الدينامي.

وهذه الرؤية الشجاعة التي اعتمدها إقبال تدعو إلى الانفتاح على الآخر، وتزيل حالة التوجس والشعور بشيطنة الآخر، وهي تبين أنّ هناك حاجة متبادلة بين الذات الإسلامية والآخر الغربي ضمن خطاب كوني تداولي. وهو يعكس أنَّ هناك اهتمامات متبادلة لدى الغرب والشرق معًا حتى ندرك حالة الحاجة إلى التواصل الحضاري ولكن مع بقاء الخصوصية الحضارية لكلٍ منا، وهذا سوف يزيل بالتأكيد حالة (الحذر جزئيًّا ممّا يعترينا من قلق هوية يجرنا غالبًا إلى الإحساس بعدم الأمان في مقابل نظرة الآخر، فهذا الشعور هو الذي يمكن أن يولد نمطًا من المغالاة في الثقة بالنفس، ويفضي إلى التقوقع على الهوية الجامدة، وإلى الرفض الفظ للآخر بصفته حاملاً للشر. ومن ثم يغدو من المستحيل ومن الخيانة السعي إلى إعادة تحديد الذات بمساعدة المرجعيات الموجودة في تقليد الآخر.)([7])

ولكن إزالة حالة التوجس تلك من مفاعيلها تتطلب رؤيةً نقديّةً للذات تخرجها من سكونيتها وتجعلها تمتلك ذاتًا متجددة، وهذه الرؤية انعكست عند إقبال في ثنائية الفردي (الذات) والجماعي مع انفتاح على الكونية، إذ يتعلق الفردي (الذات) بإرواء الظمأ الوجودي، ومن هنا يأتي تأكيده على وجود الذات والشخصية والفردية، ولكنَّ هذا (لا يعني دعوة للأنانية بقدر ما يعني أنّ الذاتية تعبير عن الروح المُنشئ الخلاَّق الذي أودعه الله تعالى في الإنسان).([8])

وهنا نستطيع متابعة التأويل الذي قدمه إقبال، والذي يتحقق من خلال الرؤية التجديدية إذ يرى إقبال أنّ أساس المعرفة الدينية هو “تجربة دينية” فالمعرفة الدينية هي تفسير لتجربة دينية، وما براهين إثبات الله إلا أدوات فلسفية لكليات التجربة الدينية. وهو يؤكد أنّ الإيمان ليس عقيدة انفعالية بقضية أو جملة من القضايا، إنّما الإيمان طمأنينة حيَّة تتأتى بفضل تجربة خاصة.

والتجربة الدينية للفرد المسلم من وجهة نظرِهِ عبارة عن: (خلق الصفات الإلهية في الإنسان) بل يعتبر (النبوة ضربًا من: الوعي الذاتي الباطني، والتجربة الدينية) فهو يقول: النبوة نوع من الوعي الذاتي الباطني تميل فيه تجربة الاتحاد بالواقع إلى الفيضان عن حدودها. يثار النبي بواسطة هذه التجربة وبفضل إثارته هذه يكشف عن مسارات حياتية جديدة.([9])

بمعنى أنّه اتخذ الوعي الذاتي عبر التجربة الدينية التي هي معيار المعرفة الدينية وبعدها الذاتي البشري المنفتح على التأويل والتجديد في تأويل النصوص بما يتفق مع القبليات التي يعيشها الفرد المسلم، حيث هناك نهضة علمية على معرفته الدينية؛ لهذا نجده يعتمد التجربة الذاتية أو ما يعرف بالتجربة الدينية التي عدها مصدرًا من مصادر المعرفة المستقلة عن الحواس، ثم يعمل على الجمع بين حقلين كانا يعدان مستقلين في الأفهام الإسلامية بين الصوفية والسلفية، والفلسفة والعلم الغربيين من ناحية أخرى إذ (نحت ممراته الخاصة التي قادته شيئًا فشيئًا إلى أرضه الفلسفية الروحية التي لا تشبهها أرض أخرى.([10]) وكانت النفس الإنسانية محور فلسفة إقبال وهو ما عرف بالفلسفة الذاتية، يقول إقبال: “أخرج النغمة التي في قرارة فطرتك ياغافل عن نفسك، أخلها من نغمات غيرك”([11]) ويؤكد إقبال أنّ القرآن عرف الوحي بوصفه خصوصية للحياة وأوضح أنّ الوحي ساد سيادة مطلقة في أطوار الحياة الإنسانية، ولكن بعد ظهور العقل الناقد في حياة البشر، كان لابد لهذا العقل من إخضاع الوحي أيضًا للدراسة والنقد، ومن هنا يناقش انتهاء النبوة على أنّه انتهاء ترفع الوحي على النقد وليس انتهاء الوحي ذاته، وهو من ناحية أخرى (يشدد على أن لا فصل في الإسلام بين المقدس والدنيوي فكل ما هو دنيوي فهو مقدس باعتباره من الله). ويرى أنّ التاريخ والطبيعة من مصادر المعرفة الإنسانية فضلاً عن التجربة الدينية وعلى الإنسان التنسيق بين هذه المصادر المعرفية الثلاثة: التاريخ والطبيعة والتجربة الطبيعية.([12])

وهو يقترب هنا مما أكَّدَ عليه عالم اللاهوت “تيرل” من انفتاح النص على العلوم التي تتيح إعادة قراءة النصوص وتأويلها. وبهذا يمنح النصوص حياة جديدة تتجاوز الراكد في الحياة ويحقق إضافة بالانفتاح على العلوم الإنسانية.

فحظي إقبال بتلقي عبد الكريم سروش ومحمد مجتهد شبستري وغيرهما ممن سار على الاتجاه نفسه وعلى هذا التأويل البشري والانفتاح على التراث من ناحية وعلى العلوم المعاصرة من ناحية ثانية عبر تاريخية المعرفة الدينية.

II – القراءات المعاصرة في مجال المعرفة الدينية:

إنّ الدين بقيمه ومعارفه المتنوعة هو فضاء مفتوح مشروع، حمل قيم الدين وفهمها وتطبيقها. والمعارف الدينية لا يمكن أن تتطور من دون تطور واقع الناس والمجتمع، وهذا الأمر يحتاج إلى جهود علمية تحاول أن تحدث إضافة تتناسب مع التحولات في المعارف العلمية عامة والدينية خاصة، وهذا يتطلب عدةً عالمية وظروفًا مناسبة وفي النتيجة لا يمكن للمعارف الدينية التطور بمعزل عن الواقع السياسي والاقتصادي وأثرهما في تطور وعي الناس، وهو ما ينعكس على تمتعهم بالحرية التي تتجلى في القيم والمعرفة، وهو ما يؤثّر في فهم الدين وقيمه وشعائره وشعاراته، ومن دون هذا الوعي لا يمكن أن تكون هناك تجارب دينية غنية يمكن استلهامها في إحداث حراك معرفي في مجال الدين وثرائه المعرفي؛ لهذا فإنّنا نحتاج إلى الانفتاح والتواصل مع كل المسارات والمقاربات الفقهية والفلسفية والعرفانية والمقاصدية الشاملة، التي تستهدف فهم الدين وإظهار معارفه الأساسية التي تؤدي إلى خلق التفاعل بين المعرفة الدينية وحركة الواقع، وإدراك مقتضيات الزمان والمكان.

وهذا الأمر يمكن أن نجد أثرَهُ في التطور في مجال اللاهوت في الغرب وما تركه من أثرٍ في مشاريع النهضة في العالم الإسلامي ومنها ما ظهر عند محمد إقبال، وما ظهر في علم الكلام الجديد في إيران ودوره في مجال المعرفة الدينية في هذا الوقت الذي أصبح فيه الإسلام في موقع قيادة المجال العام، وهنا دعت الحاجةُ إلى البحث في هذا الرأسمال الرمزي من أجل إحداث قراءة أكثر غنًى في انفتاحها الإبستمولوجي فرديًّا وجماعيًّا أكثر منه إيديولوجية ذات طابع جمعي تعبوي.

عبد الكريم سروش: كتب عبد الكريم سروش في عام1989) ) مقالات “القبض والبسط للشريعة”)[13]) التي أثارت جدلاً بين مؤيدين ومعارضين، استمد أفكاره فيها من المبادئ الصوفية، معتمداً على المذهب الكانتي Kant، ساعياً إلى إبراز خاصية التحول والتغير التي تميز المعرفة البشرية، ومن ضمنها المعرفة الدينية. فنظرية تكامل المعرفة الدينية ((القبض والبسط النظريّان للشريعة)) تظهر لنا مبادئ هذه النظرية التي تعنى بالمعرفة الدينية بوصفها واحدة من المعارف البشرية، وتحاول هذه النظرية قبل كل شيء أن تبلغ الأهداف التالية: شرح آلية فهم الدين وكيفيته، والتأشير على خصائص المعرفة الدينية بالمقارنة مع سائر المعارف البشرية، ثُمَّ دراسة أبعاد العلاقة بين المعرفة الدينية وباقي المعارف البشرية. وفي النتيجة يحاول كشف أسباب تحول المعرفة الدينية وثباتها على امتداد التاريخ أي الجوانب التي تحدث الحركة والنمو والأسباب التي تجلب السكون والجمود، وبهذا يكون الوجه البارز لنظرية (القبض والبسط) هو وجهها التفسيري ـ الأبستي.

وهناك من وصف هذا الجهد العلمي بأنَّه جهد نقدي عقلي مع الوحي والمعارف الدينية، يتيح الخروج من عقلية الفرقة الناجية، التي تحول المجتمعات والطوائف إلى معسكرات عقائدية، بقدر ما يفتح الباب أمام التعدد والاختلاف المشروع في التفاسير والتأويل، ويضع حدًّا لادعاء كل مجتهد أو فئة تحتكر مفاتيح الإسلام الصحيح، بقدر ما يفتح المجال أمام التعامل مع المعرفة الدينية بوصفها متغيرة أو متراكمة ومتجددة.([14]) فهو يرى أنّ الأجزاء المختلفة للمعرفة البشرية في تعاط مستمر في ما بينها. ونجد هنا حضور محمد إقبال واضحاً في تناول العلاقة بين المعرفة الدينية والمعارف الإنسانية الأخرى، فحين يأخذ الإنسان والكون وجهاً آخر، فإنّ المعرفة الدينية تأخذ معنًى جديداً أيضاً. وهو يقول إنّ نظريته تعتمد من جهة على الفكر الديني التقليدي، وتأخذ بنظر الاعتبار أيضاً مكتسبات الفكر والمعرفة البشرية. وفي النتيجة، هي منهج للدين وطرح عصري له. وتقرّ بالتحوّل والتطوّر في المعرفة الدينية، وهنا ينطلق سروش من مبدأ بشرية المعرفة الدينية فهي بنظره بناء إنساني يتطور بالضرورة وباستمرار، بحسب الفهم المتغير للعالم، وهي بهذا تمثل الجزء التاريخي المتغير العرضي في مقابل ما هو ثابت لا يتغير وهو الدين في حد ذاته (أي الشي بذاته عند كانط )، فالمتغير هو الجزء المتجدد من المعارف عامة والدينية خاصة، لأنّها مصاحبة للتحول التاريخي للمعرفة وتقود بالضرورة إلى تغيير الفهم الإنساني له والمعرفة المرتبطة به.

وبحسب هذا التصور – الذي وجدناه لدى إقبال من قبل – فالمعرفة الدينية ليست إلهية من منطلق الموضوع الديني الذي تعالجه ولا يسوغ أن نخلطها و”الدين في حد ذاته”، وهو ما يدخل في تاريخية المعرفة البشرية عند سروش؛ ولكنَّ (إثبات المصدر الإلهي للدين في ذاته، لا يعني إنكار حضور الاجتماع في البنية الدينية الكلية، فلأنّ الإنسان هو موضوع الدين ومجاله، سيعبر المطلق الديني عن ذاته من خلال التمثل في الواقع الاجتماعي)([15]) وكما قلنا سابقًا في مقدمة البحث فإنّ الأثر الاجتماعي وآليات التلقي والقبليات المؤثرة في الفهم تؤثر في تلقي النص وتجعله يتأثَّر بالقبليات، وهنا يظهر التأويل والتجديد ومجال التلقي، وفي هذا تجتمع المعرفة عامَّة بمجالها الاجتماعي ومنها المعرفة الدينية، ولكنَّ سروش مثلما ربط المعرفة بأفق تلقيها الاجتماعي والتاريخي وجعلها جزءًا من المعرفة العامة فإنّه أيضًا يحاول تبيان سمات المعرفة الدينية بالنسبة إلى سائر المعارف البشرية وتحديد العلاقات القائمة بين المعرفة الدينية والمعارف البشرية، وأخيراً توضيح سر تحوّل المعرفة الدينية وثباتها تاريخيّاً. وهو في ذلك يهدف إلى محاولة وضع معنى النص الديني في أفق الفهم التاريخي المتحول. ويهدف أيضًا-وهذا هو الأهم- لأنسنة الدين، بمعنى جعل الدين من أجل الإنسان، وتأكيده ضرورة فرض المعرفة الجديدة بالإنسان والمجتمع والطبيعة على من يتصدون لصناعة المعرفة الدينية، وإنّه إذا تعرضت المعارف البشرية غير الدينية للقبض والبسط، فلابد أن يتعرض فهمنا للشريعة إلى القبض والبسط أيضاً، بصورة ضعيفة وخفيفة أحياناً، وبصورة شديدة وقوية أحياناً أخرى.([16])

أولاً- “مبادئ نظرية القبض والبسط”:

1-       المعرفة الدينية واحدة من المعارف البشرية.

2-   أنواع المعرفة: قبلية وهي التي تسبق التجربة، والتي تعنى بالقضايا الخالية من أي مضمون تجريبي. والمعرفة البعدية أو المعرفة في مقام التحقق.

3-       تنماز المعارف بتنوعها، منها معارف من الدرجة الأولى ومنها معارف الدرجة الثانية، على النحو الآتي:

3-1- اختلافات العلماء في الدرجة الأولى هي محل اتفاقهم وتعاونهم في الدرجة الثانية.

3-2- ماضي معارف الدرجة الأولى هو حاضر معارف الدرجة الثانية.

3-3- أخطاء الدرجة الأولى، صواب الدرجة الثانية.

3-4- التغير في معارف الدرجة الأولى ثبات في معارف الدرجة الثانية.

3-5- الوجوب والقيم في معارف الدرجة الأولى هي (الوجود) والواقعية في معارف الدرجة الثانية.

3-   أوصاف المعرفة البشرية في مقام التحقق في المضمار المعرفي، وتكتسب المعرفة البشرية في مقام التحقق الصفات الآتية:

3-1- العلوم التجريبية منهج التحكم بها التجربة.

3-2- العلوم العقلية منهج التحكم بها العقل.

3-3- كل معرفة يجب تفكيكها إلى مقامين هما: مقام “يجب” الذي هو مقام التعريف، والمقام الثاني مقام “يوجد” الذي هو مقام التحقق.

4-       مبدأ نظرية القبض والبسط المعرفي: تتضمن مبدأً إبستمولوجيًّا هو الواقعية أو أصالة الواقع، على النحو الآتي:

4-1- إنّ الواقعية موجودة.

4-2- تلك الواقعية ممكنة الحصول.

4-3- الغاية الأساسية في ميدان المعرفة هي الوصول إلى الحقيقة.([17])

ثانياً- نظرية قبض الشريعة وبسطها النظريين:

1-   الدين متميز عن المعرفة الدينية: المعرفة الدينية جهد إنساني لفهم الشريعة، مضبوط ومنهجي وجمعي ومتحرك، ودين كل واحد هو فهمه عينه للشريعة، أمَّا “الشريعة الخالصة “فلا وجود لها إلا لدى الشارع (عز وجل).([18])

2-   تحقق المسألة من طريق آخر، إنّ لخصائص “الدين “و”المعرفة الدينية” وعلاماتهما أحكامًا متفاوتةً كل التفاوت، وفق الآتي:

2-1- الدين في نظر المؤمن به لا تناقض فيه ولا اختلاف. أمَّا المعرفة الدينية فتتضمن تناقضًا واختلافًا.

2-2- الدين في منظار المؤمن حق كله. أمَّا المعرفة الدينية فمزيج من الحق والباطل.

2-3- الدين كامل؛ لأنَّ الله عز وجل نزّل كل ما هو لازم لسعادة البشر. أمَّا المعرفة الدينية فليست كاملة.

2-4- الدين في اعتقاد المؤمنين خالٍ من الثقافات الدخيلة، أمَّا المعرفة الدينية فهي، من دون أدنى ريب، ممزوجة بتلك الشوائب.

2-5- الدين أي كلام الباري وسنن الأولياء ثابت. أمَّا المعرفة الدينية أي الاستنباطات الفقهية والتفسيرية والتاريخية والاجتماعية فمتغيرة.([19])

3-   الشريعة وفهمها: في الشريعة لا تعارض ولا نزاع ولا تناقض على الإطلاق مع أي فهم لها. ولكن فهم الدين يختلط بفهم آخر له أو بمعرفة من المعارف ويتعارض معها أو يتوافق.([20])

4-   الشريعة الصامتة: لا تتكلم إلا حين يوجه الناس إليها الأسئلة منتظرين أجوبتها، ولا تفهم إلا إذا أدخلوها في عقولهم.

5-   المعرفة الدينية بشرية: إنّ العلم جهد إنساني لفهم الطبيعة، والفلسفة الماورائية جهد إنساني لفهم الوجود، والمعرفة الدينية جهد إنساني لفهم الشريعة. وبعد ذلك فالمعرفة البشرية تتضمن معنيين:

5-1- أنّ المعرفة تولد وتنمو على يد البشر ولديهم.

5-2- أنّ خصال البشر وصفاتهم كلها تتغلغل في داخل المعرفة التي راكموها، وليس قواهم العاقلة التي تميز الصحيح من السقيم فقط، وتسعى جاهدة لحصر الحكم في يد البرهان والمنطق.([21])

6-   وظيفة المعرفة: إنّ المعرفة البشرية وبضمنها المعرفة الدينية – بحسب المعنى الثاني للمعرفة البشرية الذي سبق ذكره – لها جانبان مهمان على الأقل:

6-1- إنّ شؤون الإنسان وأحواله الشريفة والدنية تؤثر في عمله، وتاريخ العلم يشهد أنّ كثيراً من خلافات العلماء لم تكن منطقية ولا عقلية وإن كان لها ظاهر منطقي.([22])

6-2- إنّ نقصان هذه المعارف أو كمالها هو أمر بشري، وإنّ وظيفة المعرفة البشرية تركز على المشاكل التي تبرز أمامها، وهذا يؤثر في نمو جوانب معينة، أكثر من نموها في الجوانب الأخرى.

7-       وجوه القرابة بين المعرفة الدينية والمعرفة التاريخية: هناك خصائص مشتركة:

7-1- المعرفة التاريخية معرفة بلا موضوع، فالمواد لا تنظم في المعرفة التاريخية حول موضوع، وإنّما حول أسئلة المؤرخين، التي هي نتاج نظرياتهم الذهنية، فالمعرفة الدينية أو فهمنا للشريعة هو (مع بعض الفروقات)على هذا النحو أيضًا.

7-2- في مجال التاريخ لا يمكن أبداً كتابة تاريخ جامع لأي عصر من العصور، كذلك لا يمكن في ساحة الدين الزعم بإمكان التوصل في أي عصر من العصور إلى فهم الدين.

7-3- إنّ المؤرخ في أثناء عمله على فهم التاريخ يؤثر ويتأثر، كذلك المعرفة الدينية هي أيضًا حصيلة تفاعل عالم الدين والنصوص الدينية.

7-4- يتوجب على كل من المؤرخ وعالم الدين أن يشحذ ذهنه من أجل الوصول إلى الحقيقة.

7-5- ليس كل ما يعرفه المؤرخ تاريخًا، فالتاريخ لم يصنع المؤرخين ولكنَّ علم التاريخ هو صنيعتهم حتمًا وهو مناسب لعلوم عصره، وإنّ عمل عالم الدين في مقام فهم الشريعة هو أيضًا على هذا النحو.

7-6- إنّ علم التاريخ يتطور وتعاد صياغته دائمًا، وما لم يكن في ذهن المؤرخ صورة كاملة عن الإنسان والمجتمع (أي علم الإناسة وعلم الاجتماع) لن يتمكن من كتابة تاريخ موزون، وعلى هذا النهج فإنّ المعرفة الدينية تتكئ على المعلومات الخارجية.

7-7- للمعرفة التاريخية ركنان: داخلي؛ الأسانيد والروايات التاريخية، وخارجي هو معلومات المؤرخ في الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم الإناسة. والفهم الديني له ركن داخلي هو (الكتاب والسنة) وخارجي (المعارف البشرية).([23])

موقفه من الإيمان: إنّ هذا الجدل المستمر حول موضوع الإيمان هو جزء رئيس لا يمكن محوه من أي دين ومن أي حضارة في أي من أطوارها، وقد ظهر الكثير من الصياغات لوضع الدين ومكانته في العصر الحديث ولمعنى الإيمان وعلاقة الحقيقة الدينية بالحقيقة العلمية والفلسفية. وتتميز تلك المعالجات في اللاهوت الغربي الحديث بأنّها دراسات جاءت جامعة بين اللاهوت والفلسفة، في تناول الحقيقة الدينية ودراستها في ضوء علاقتها بالحقيقة العلمية، وفي ظل تنوع فلسفي وعقائدي ومن المثالية إلى التجريبية، فاشتمل على أفكار مسيحية وأفكار ناقدة لها ولكن لا عن مقدس الوجود ولا عن مقدس الوجوب، وقد تركت آثارها في عبد الكريم سروش في بحثه عن معالجات جديدة للحقيقة الدينية والمعرفة الدينية والتجربة الدينية وهي في مجملها ممكن تكثيفها في موقف سروش من مفهوم الإيمان إذ كانت له مواقف ثلاثة من هذا المفهوم: (يبدو الإيمان في الأولى نوعًا من المعرفة والوعي متعلقة القضايا والمعتقدات الدينية. أمَّا الإيمان في النظرية الثانية فهو ليس سنخ الوعي والمعرفة، وإيمان هو حالة روحية ووضع نفسي خاص فليس “القضايا” متعلقة، أمَّا تصوره الثالث فسواء كان الإيمان إيمانًا بـ”قضايا” معينة أم لم يكن إيمانًا بـ “قضايا وعبارات” معينة، فإنّه ينطوي على ضرب من طمأنينة النفس وسكينة الخاطر لا تجتمع مع الحيرة والاضطراب الروحي).([24]) فهذه الأفكار الثلاث قد يكون الاختلاف والتناقض بينها مرده إلى كونها (خاصة بثلاثة أطوار فكرية تناوبت على منظومته الفكرية والنظرية وطورتها. ولكننا نلاحظ للأسف أنّ هذه الآراء الثلاثة لاتدخل ضمن أي نظام زمني محدد.)([25]) ويبدو لي أنّ هذا التصور الذي يحاول أن يحيط في مفهوم الإيمان بكل منظومة سروش الفكرية، ويحاول أن يبين تناقضَ هذا الموقف فيه تجنٍ، فسروش صاحب مشروع فكريّ يحاول أن يؤصل الأفكار في محيطها الإسلامي ثم يربطها بأفكار حديثة من اللاهوت المسيحي من أجل تقديم تصور للإيمان يواكب التطورات والتحولات الجديدة التي تجعل من الإيمان موقفًا فرديًّا وقلقًا وجوديًّا يعبر عن موقف وتجربة دينية من الوجود والتراث. والجمع بين هذه الحقول المختلفة تاريخيًّا وعقائديًّا صعب ولكنه بانفتاحه يعبر عن بشرية التجربة الدينية وانفتاحها على باقي المعارف.

ب- محمد مجتهد شبستري:

في تحديد معياري للمعرفة الدينية نجد أنّ شبستري يقدم لنا رؤية عن القراءة البشرية للدين وهي ذاتها التي وجدناها عند محمد إقبال وعند عبد الكريم سروش من حيث المباني التي تنطلق منها تلك التوجهات ولكن لها تناصات في اللاهوت المسيحي الجديد وتتمركز حول الإيمان كما يصفها أحمد القبانجي في مقدمته (الإيمان على أيّة حال وبأي معنىً كان، يمثّل هدية إلهيّة وعطاءً ربانيّاً للإنسان، ولكنّ هذه الهدية لا يحصل عليها إلاّ من امتلك القابلية على نيل هذه المنحة المعنوية، وهو الإنسان الذي يعيش حرية الفكر والإرادة.)([26]) وهذه الجدلية بين حرية الفكر والإرادة حاضرة في مقاربتنا هذه إذ نحاول تناولها على جزأين:

أولاً: أنواع القراءات: لديه تصنيف يتضمن نوعين من القراءة، الأول: قراءة دينية نازلة من الله إلى العباد وهي وحي.

والثاني: قراءة بشرية معنوية صاعدة من الناس إلى الله.

ومن سمات القراءة البشرية أنّها قراءة تنظر إلى الدين بعيون إنسانية، وهذه النظرات تبيح لنا فهمًا أفضل للدين من موقع الوضوح في الرؤية، وتدخل التجربة الصوفية، في باب التجربة البشرية الباحثة عن الله. وبعد ذلك فإنّ القراءة الهيرمنيوطيقية للنصوص الدينية تشير إلى الحركة العقلية للإنسان في تفسير النصوص.([27]) وهذا ممكنٌ يأتي؛ لأنَّ (الإيمان الديني في هذا العصر يجب أن يوضع على محك التجربة التاريخية ويتم تخليصه وتهذيبه من الآفات والشوائب. إنّ التجربة التاريخية للإيمان الديني عبارة عن دراسة الآثار والنتائج العملية للالتزام بالأصول العقائدية والأحكام الشرعية والشعائر الدينية التي تقوم على أساس الإيمان الديني لمجتمع معين، حيث أفرزت بمرور الزمن تفسيراً معرفيّاً خاصاً. إنّ هذا النظام العقائدي والقانوني والشعائري بحاجة دائماً إلى غربلة وإصلاح وتكميل، إنّ التجربة التاريخية للإيمان لا تتيسر إلاّ إذا تخلص الناس في كل عصر وزمان من القيود التاريخية وأشكال الضغوط والرواسب المعرفية التي يخلقها الزمان والعرف)([28]).

وضمن قراءته للمعرفة الدينية يقدم لنا رؤيته في هذا المجال مكثفة في العنوان التالي: “المواجهة المشوقة لله”، وفيها يقدم لنا أنموذجاً للقراءة الدينية الجديدة واشتراطاتها وطبيعتها فهو هنا يناقش مفاهيم مثل: “الحرية، والإيمان، والتجربة الدينية”.

أولاً الحرية: يتناول ثلاث قضايا ضمن نطاق الإيمان: (الحرية من، والحرية في، والحرية لأجل). أمَّا “الحرية من” فتعني ما يجب أن يتحرر الإنسان منه، فإرادة الإنسان إرادة ذاتية، وهذا لا يتحقق إلا بتحرر الإرادة من سواها. أمَّا “الحرية في” فهي ما يجب أن يكون الإنسان حرًّا فيه، والأشياء الواجب التحرر منها هي داخلية مثل الغرائز، وخارجية مثل: نظام مستبد أو تقليد سيئة أو شخص متجبر، ولابد أن تكون الإرادة متحررة من الضاغِطَينِ الداخليّ، والخارجيّ، اللذينِ لا يمثلان الإرادة. أمَّا الثالثة فهي الهدف الذي يجب أن يكون حرّاً من أجله، حين يكون الإنسان حرًّا مختارًا، فيجب أن يكون حرًا في أفعاله وأعماله، وفي النتيجة فإنّ فعله يجب أن يكون له غاية وهدف؛ لأنَّ الإرادة لا تكون حرةً، إلَّا إذا كانت تسير وفق غاية وهدف؛ فهذه المعاني الثلاثة تُظهِر معنى الحرية الصحيح في نظر شبستري. فالنتيجة هي أنَّ حقيقة الإنسانية ليس سوى تحرره الدائم، والعيش بإنسانية هو العيش بحرية.([29]). ولكنَّ شبستري يميِّز في التحرر في علاقة الإنسان بالأشياء والأشخاص فالعلاقة (مع الأشياء قضية أحادية الجانب فالشيء لا يلتفت لي على عكس الشخص عندما أواجهه سوف يقوم بيني وبينه تعاط وتعامل وارتباط متقابل. والسبب أنّ الإنسان شخص، ولا يتسنى التكهن بكل ما يصدر عنه من أعمال، وتكامل، وصيرورات، وأنماط حياتية. لأنَّ الإنسان لا يمكن التنبؤ به؛ لأنّه في حاجة إلى إعادة تعريفه دائمًا.

وهنا يظهر أنّ الإنسان في حاجة إلى شخصين هما: الإنسان والله، أمَّا الإنسان فلابد أن يكون الآخر شخصًا بالنسبة إلينا كي نستطيع إدراكه وفهمه. أمَّا أن يكون الله شخصًا للإنسان فيكمن للإنسان من خلال المناجاة وما تفرزه تلك الحالة من تجاوب، “فالإرادة الحرة المعطوفة على الله هي أساس الإيمان والدين”.([30])

ثانيًا الإيمان: إنّه لا يرى الإيمان عقيدة ولا علمًا ولا فلسفة بل الإيمان عمل ويعرفه بأنّ: جوهر العمل انجذاب الإنسان إلى الله فيفقد ذاته المحدودة أمام الله ليصل إلى ذاته الحقيقية، أي الذات التي يجب أن يكونها الإيمان بعناصره: الثقة، والعشق، والشعور بالأمن، والأمل. أي أنه يعبِّر عن التجربة الدينية التي هي قوام المعرفة الدينية وحرية الإرادة والإيمان الذي يصفه بأنّه مواجهة الإنسان لله بشوق ووجد. والإيمان في نظرهِ يشكِّل حيوية عميقة لوجود الإنسان.

ويميز بين الإيمان والعلم فيقول: (قد يتوفر المرء على معارف إلهية وعلم بجملة قضايا يرصفها إلى جانبها ليستنتج منها أنّ العالم لابد وأن ينتهي إلى واجب الوجود، هذا العلم لا يساوي الإيمان). وغنيّ عن القول إنّ شبستري في مقام التنظير لماهية الإيمان متأثر أشدّ التاثر باللاهوت الغربي الحديث، وخصوصًا عند بول تيليش (1886-1965) وفي اعتبار الإيمان ضربًا من العمل، ويرى أنّه عمل الشخصية كلها، والذي يستغرق جميع عناصرها، بمعنى أنّ جميع عناصر وجود الإنسان تتحد في عملية الإيمان، ولكن الإيمان لن يكون بالطبع محصلة لتلك العناصر، بل هو فوق تأثيراتها الخاصة، وهو الذي يترك تأثيراته الحاسمة في كل واحد من عناصر حياة الشخص.([31]) ولكنَّه يحاول تأصيل هذا التصور في الخطاب الديني فيقول (فلو طالعنا صفات المؤمنين وأحوالهم في القرآن لألفينا ما قاله القرآن عن أحوال المؤمنين وأوصافهم بالنحو الذي يعرفنا على حقيقة الإيمان في القرآن).

ويؤكد من جديد كون الإيمان فعلَ تجربةٍ دينيةٍ صوفية، كما وجدناها من قبل عند إقبال وسروش بقوله (إنّ الإيمان لا يعني أنّ المؤمن ينشغل بذاته فقط ولا يتدخل في شؤون المجتمع والسياسة هذا سوء فهم ينبغي أن لا يحصل)([32]) وهو وإن اشترك مع سروش في حالة القلق؛ إلاّ أنَّه أيضًا في هذا الأمر يعود إلى تيليش حيث يكتب: (الإيمان حالة هيام أخير…إذا كان للهيام دعاوى نهائية وأخيرة، فإنّه يستدعي التسليم التام للشخص الذي يتقبل هذه الدعاوى)([33])

(وشعور الإنسان بعدم الاكتمال يمكن أن يمثل مقدمة للإنسان الحقيقي)([34])

الخاتمة

التجديد في المعرفة الدينية ليس جهدًا فرديًّا، وليس معزولًا عن التجارب العالمية في مجال البحوث الدينية وهذا الأمر يأتي بالحوار واستثمار المباحث في هذا المجال.

وهذا جعل المعرفة الدينية مفتوحة على الخارج من مستجدات في مجال العلوم الإنسانية وما جاءت به من نتائج، ومن ناحية داخلية منفتحة على النص والسنة والتراث الديني.

وهذا جعل الدين عبارة عن أبحاث بشرية في الوقائع الدينية التي عرضت إلى التلقي المفتوح عبر الأجيال، والمحكومة بأفق تلقّ مختلف باختلاف الزمان والمكان فأنتج الأحكام المسبقة، وانصهار الآفاق بين التراث والحاضر انطلاقًا من حاجات الحاضر، وهو ما جعل هناك آفاقًا تاريخية مختلفة كلها تشكل أفقًا واسعًا للتلقي وقراءات مختلفة باختلاف الممكنات العلمية المتاحة.

وهذا هو الرد على القراءات السلفية والإيديولوجية التي أغرقت المنطقة بالحروب ومصادرة اختفاء المؤمنين بالواقعة الدينية على أساس إيمانهم الذي يتأثر بالأحكام المسبقة التي تزودهم بها الثقافة.

المصدر:مركز الامام الصادق للدراسات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى