مقالات

مناقشة رأي المثبت والمنكر لمشورة الحباب بن المنذر

▪عدنان الجنيد

لقد نسب الكثير من الفقهاء ، والعلماء الأخطاء إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – مستدليل بقضية الحباب بن المنذر حيث أنه – صلى الله عليه وآله وسلم – أخطأ بدليل اتباعه لرأي الحُباب، حتى قال أحدهم «ولا ريب أننا لسنا ملزمين باتباعه في مثل هذه التصرفات، فمن ذلك نـزوله عليه الصلاة والسلام في المكان الذي اختاره في هذه الغزوة ـ أي بدر “(1)

وإليك نص الرواية :

قال ابن اسحاق(2): فحدُّثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا: أن الحُباب بن المنذر بن الجَموح قال: ” يا رسول الله، أرأيت هذا المنـزل، أمنـزلاً أنـزلَكه الله ليس لنا أن نتقدم ولا نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة» فقال: يا رسول الله، فإنَّ هذا ليس بمنـزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننـزله، ثم نغوِّر(3) ما وراءه من القُلُب(4). ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماءً، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لقد أشرت بالرأي»، فنهض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نـزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فغُوّرت، وبنى حوضاً على القليب الذي نـزل عليه، فمُلئَ ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية ” إه

تفنيد الرواية :

* أولاً : من جهة السند :

روية هذه القصة بأسانيد ضعيفة واهية ومنقطعة ومرسلة.. 

إن رواية ابن إسحاق – المذكورة آنفاً – ضعيغة جدا بسبب جهالة الرواة وهم الواسطة بين ابن إسحاق والرجال من بني سلمة

نعم وصله الحاكم(5) من حديث الحباب بن المنذر لكن بسند واهٍ ، فيه عمرو بن خالد أبو حفص الأعشى ، قال فيه الذهبي في “تاريخ الإسلام”(6): ” كوفي واه ” 

كذلك روى قصة الحباب ابن سعد في “طبقاته”(7)

وفي إسناده الواقدي ، وهو متروك الحديث

قال الذهبي في “تاريخ الإسلام”(8) :” وحاصل الأمر: أَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى ضعفه..”

وأوردها ابن كثير في “البداية والنهاية”(9) فقال :” قَالَ الْأُمَوِيُّ: حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ: وَزَعَمَ الْكَلْبِيُّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ – ثم سرد الرواية -..”

وإسناده – هذا- لا يصح أيضا ، فيه الكلبي ، وهو متروك ، واتهمه غير واحد بالكذب

وأما ماأخرجه البيهقي(10) وابن الأثير(11) من طريق محمد بن إسحاق فهي من مراسيل عروة(12) وغيره ..

والمرسل ضعيف لايحتج به.

* ثانياً : من جهة المتن : 

نفهم من رواية ابن إسحاق أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – قبل بدء معركة بدر – نزل هو وأصحابه عند أدنى ماء بدر ، لكن الحباب بن المنذر رأى أن نزول رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – في ذلك المكان غير صحيح ، وليس مناسباً ، فما كان منه إلا أن أرشد رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – إلى الصواب ، وذلك باختيار المكان الصحيح والأنسب ، ثم وجه أمره إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – بأن ينهض بالناس إلى المكان الذي رآه مناسباً – كما في الرواية – وهذا يعني أن الحباب بن المنذر كان أعلم وأعرف من النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – بالخطط العسكرية ، وباختيار المواقع الهامة التي من خلالها يتم كسر شوكة العدو ..

وهذا لا يعقل ، لأن من يستقرئ كتب السِّير فسوف يعلم أن جميع المعارك التي خاضها رسول الله – ومعه أصحابه – ضد أعدائه ، سيجد أنه – صلى الله عليه وآله وسلم – هو المخطط لها ، فقد كان يأخذ بأسباب التحفظ من مكر أعدائه وخديعتهم، ويرسل العيون ، ليكشفوا له عن عدد العدو وعدته وأساليبه في ذلك ، وكان يقوم بتعمية الأمور على أعدائه ،ويلبِّس الأمر عليهم .. 

ثم انظر في معركة أُحد بعد أن صفَّ الجيش ، كيف أمر الرماة بأن يلزموا الجبل قائلاً لهم : احموا ظهورنا ولا تبرحوا مكانكم …إلخ 

ولولا تفريطهم بما أمرهم رسول الله – ص – لما حصلت لهم الهزيمة.. 

إذا فهمت ماسبق ، فكيف – بعد هذا يقال : بأنه – ص – أخطأ في اختيار المكان ، وأرشده الحباب بن المنذر إلى النزول في المكان الصحيح والأنسب .. ؟!!

ولقائل يقول : لِمَ لا تكون هذه الرواية من باب المشاورة، ومعلوم أن النبي – ص – كان يأخذ بمشورة أصحابه ؟!..

أقول : نعم ، إن النبي – ص – كان يستشير أصحابه ، لكن مشاورته لهم كانت قبل أن يبدأ في تنفيذ ما استشارهم من أجله ، فمثلاً مشاورته لهم في لقاء العدو في بدر بعد أن نجى أبو سفيان بقافلة قريش، ومشاورته لهم في أسرى بدر ، وغيرها من الأمور التي شاورهم بها..

ومشاورته لهم عبارة عن تطييبٍ لنفوسهم ، وتنشيطٍ لعقولهم ، واستطلاعٍ لما في نفوسهم، ورفعٍ لأقدارهم ، ولأن كبراء العرب كانوا إذا لم يشاوروا شق ذلك على نفوسهم ، فأمره بذلك رعاية لهم وليس مشاورته لهم لحاجة منه لرأيهم ، وإنما ليعلمهم مافي المشاورة من الفضل ، ولتقتدى به أمته من بعده قال تعالى : (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)[آل عمران : 159]

فالمشاورة أن يخبرهم بما سيقدم عليه ، وليست المشاورة أن يقدم على فعل شيء ثم يأتي من يرشده ويبين له أن عمله ذلك ليس صحيحاً، وإنما الصحيح هو كذا وكذا ، فليست هذه من المشارة، بل مثل هذا يعتبر توجيه وإرشاد ،فالنبي – ص – هو المرشد الأول ولايحتاج إلى من يرشده ويعرفه ممن هو دونه من البشر بالصواب..

وهنا نقول : لوكانت هذه الحادثة من المشاورة المطلوبة لكان بالإمكان

أن يجمعهم رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – – مشاوراً لهم – ويقول : في أي المكان ترون يكون النزول ؟! ثم يشير عليه الحباب بن المنذر برأيه..

فقد جاءت رواية بهذا المعنى وإليك نصها : 

أخرج أبو داود(13) عَنْ يَحْيَى بن سَعِيدٍ ، قَالَ: ” اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ: الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: نَرَى أَنْ نُغَوِّرَ الْمِيَاهَ كُلَّهَا غَيْرَ مَاءٍ وَاحِدٍ ؛ فَنَلْقَى الْقَوْمَ ، – يَعْنِي: الْعَدُوَّ – عَلَيْهِ . فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِلْكَ الْقُلُبِ كُلِّهَا ، فَغُوِّرَتْ ، إِلَّا مَاءَ بَدْرٍ . فَلَقُوا الْقَوْمَ عَلَيْهِ…” إه

فهذه الرواية وإن كانت مرسلة وضعيفة مثل الروايات السابقة إلا أن متنها مهذَّب فلو كان متن رواية ابن إسحاق بنفس هذا المعنى لكانت مشورة مثل بقية المشاورات الأخريات..

أما قولهم بأن رسول الله – ص – نزل عند أدنى ماء بدر باختياره لذلك المكان،

ثم يأتي الحباب بن المنذر ويأمره بتغيير المكان ، فهذا يعني أنه أرشده إلى النزول الصحيح والأنسب ..

وكأن رسول الله – ص – يجهل ذلك ويحتاج إلى من يعرفه الصواب 

وهذا لا يكون قط !!..

مما سبق تبين ضعف رواية ابن إسحاق سنداً ومتناً وأنه لا يحتج بها..

وهناك من أخذ برواية ابن إسحاق لكنه لم ينسب الخطأ إلى رسول الله – صلى عليه وآله وسلم – بل أتى بالمعنى اللائق لها وهو الشيخ عبدالله سراج الدين حيث ما نصه: ” فليس في هذا الحديث ما يدل على أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم كان مخطئاً في رأيه؛ لأن هذه الواقعة ليست من باب إلزام القضية أو التزامها، إنما هي من باب عرض القضية لإبداء رأي أهل الرأي والخبرة في ذلك على عادته صلى الله عليه وآله وسلم من عرضه أمثال هذه الأمور على أهل الرأي من الصحابة، ومشاورتهم فيها، وليس ذلك من باب أنه رأي رآه صلى الله عليه وآله وسلم واستحسنه والتزمه، وراح يحمل الناس عليه ويلزمهم به !!، بل من باب عرض القضية للرأي والمشاورة فيها. 

ويدل على ذلك صريح قوله صلى الله عليه وآله وسلم للحباب: «أشرت بالرأي»، فكان موقفه صلى الله عليه وآله وسلم موقف المستشير الذي عرض القضية ولم يلتزمها، ولو أنه صلى الله عليه وآله وسلم رأى ذلك أو التزم ذلك لحمل الصحابة على ذلك، ولاستمر على ذلك صلى الله عليه وآله وسلم “(14) .

قلتُ: بهذه الإجابة السديدة ستُزال جميعُ إشكالات القضايا التي تشابه قضية الحُباب بن المنذر – على فرض صحتها – كقصة مصالحته – صلى الله عليه وآله وسلم – لقبيلة غطفان على ثلث ثمار المدينة كي ينصرفوا عن قتال المسلمين، فاستشار النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فأجاب سعد بن معاذ قائلاً: (والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فتهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال له: فأنت وذاك) (15) .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

……………………….

الهامش

– (1)البوطي في كتابه ” فقه السيرة ” ص173 / الطبعة السابعة.

– (2) في ” السيرة النبوية ” لابن هشام [ ج2/ص620] بتحقيق جماعة من العلماء / دار الوفاق.

– (3) نغوِّر : بتشديد الواو المكسورة بعد غين مهملة، وقيل معجمة، فعلى الأول أي نفسدها، وعلى الثاني نذهبها في الأرض وندفنها، لئلا يقدروا على الانتفاع بها. انظر: شرح الشفا لعلي القاري ـ [4/258] ـ على هامش ” نسيم الرياض

– (4)القُلُب: بضم القاف واللام وقد تسكن وهو جمع قليب وهو البئر الذي لم تطو أي لم تبنَ أطرافها بالحجارة. ” نسيم الرياض في شرح شفا القاضي عياض ” [ج4/ص258].

– (5) في ” المستدرك ‘ برقم (5801)

– (6)[137/5]

– (7)[567/3]

– (8)[182/5]

– (9)[82/5]

– (10)” دلائل النبوة ” [31/3]

– (11)” أسد الغابة “[665/1]

– (12) قلت : إنَّ عروة والزهري كانا من المنحرفين عن سيدنا علي عليه السلام، روى جرير بن عبد الحميد عن محمد بن شيبة قال : شهدت مسجد المدينة فإذا الزهري وعروة بن الزبير جالسان يذكران علياً عليه السلام، فبلغ ذلك علي بن الحسين عليه السلام، فجاء حتى وقف عليهما فقال : أما أنت يا عروة فإن أبي حاكم أباك إلى الله فحكم لأبي على أبيك، وأما أنت يا زهري فلو كنت بمكة لأريتك بيت أبيك. انظر: [شرح نهج البلاغة] لابن أبي الحديد ج4/ص370ـ371 ط / دار إحياء التراث العربي.

– (13) برقم ((318)

– (14)” سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ” ص373.

– (15) كان ذلك في غزوة الخندق. انظر: ” السيرة النبوية ” لابن هشام مع الروض الأُنف [ ج3/ص262] دار المعرفة للطباعة والنشر.

🔅 من ارشيف 2000م مع بعض الاضافات

#المركزالاعلاميلملتقى_التصوف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى